> إيديكس 2025.. معرض يكشف صعود مصر الصناعي والعسكري
> "جبار" النفاثة و"ردع 300".. مصر تعلن عن قوتها بدخول صناعة المسيرات
> تحول مصري جديد بتجاوز قيود التسليح الأمريكي وتوسيع البدائل
> "نسور الحضارة 2025".. تعاون مصري–صيني يعيد رسم ميزان القوة
> شراكة مصر وتركيا تنطلق بقوة عبر 80 شركة وابتكارات مشتركة
> اللواء عادل العمدة: تنويع السلاح يحفظ الردع المصري ويمنع وضع "الصباع تحت الضرس"
> إيهاب شوقي: تنوّع تسليحي لا يمس الشراكة الأمريكية أو خطوطها الحمراء
شهدت القاهرة خلال دورة إيديكس 2025 واحدة من أكثر الفعاليات الدفاعية حضورًا وتأثيرًا في المنطقة، حيث جاء افتتاح المعرض ليكشف ملامح مرحلة جديدة في الاستراتيجية العسكرية المصرية. فقد حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على الوجود في مقدمة الحدث، بما يعكس الوزن السياسي والعسكري الذي توليه الدولة لقطاع الصناعات الدفاعية بوصفه ركيزة للأمن القومي وذراعًا للتفوق الإقليمي. وقد اتسمت الافتتاحية بعرض بصري رفيع المستوى يبرز المسار المتدرج الذي تمر به القاهرة نحو توطين التصنيع العسكري، كما تجلى في عرض مدفع K9 A1 EGY الذي عُرض بوصفه نموذجًا للمشاريع المشتركة التي تنقل مصر من موقع المتلقي إلى موقع المنتج.
كما كشف الجيش المصري عن سلسلة الطائرات المسيّرة «جبار» بوصفها إحدى أبرز المنصات التي طوّرتها القاهرة لتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية في مجال الاستطلاع والمراقبة والدعم العملياتي. وتأتي هذه المنظومات بثلاث فئات رئيسية تختلف من حيث المدى والحمولة ونوعية المهام، لكنها تشترك في هدف واحد وهو توفير قدرات جوية مرنة وفعّالة بتكلفة تشغيل منخفضة، مع ملاءمتها لمتطلبات بيئات القتال الحديثة.
ولم يكن الحدث مجرد عرض تمثيلي للقدرات المصرية، بل منصة عملية لاجتماعات سياسية وعسكرية مع وفود دولية تمثل عشرات الدول، بما أعطى للمعرض طابعًا يتجاوز كونه فعالية تسويقية. وقد ظهر هذا الزخم بوضوح في التصريحات الرسمية، خصوصًا كلمة وزير الدفاع الفريق أول عبد المجيد صقر، التي أكدت أن امتلاك مصر لعناصر القدرة القتالية هو حجر الأساس في بناء سلام حقيقي، وأن تحديث القوات المسلحة لم يعد خيارًا بل ضرورة تفرضها بيئة إقليمية متحولة. كما شدد الوزير على أن التحذيرات التي قدمتها القاهرة بشأن أخطار انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة قد أصبحت واقعًا يفرض على الدول تعزيز جاهزيتها الدفاعية.
وجاءت فعاليات المعرض مع تركيز إعلامي واسع على قدرة مصر على تنظيم حدث دفاعي بهذا الحجم في ظل ظروف دولية وإقليمية شديدة التعقيد. فالاهتمام الهائل الذي أبدته الشركات الكبرى يعكس أن القاهرة باتت لاعبًا مقنعًا في سوق الصناعات الدفاعية وليس مجرد مستورد للسلاح. وبات المعرض يُستخدم كأداة دبلوماسية إضافية لنسج علاقات شراكة وتعاون مع قوى عسكرية عالمية، وهو ما يمهد لمرحلة جديدة من التموضع الجيوسياسي الذي تتجه إليه مصر منذ عدة أعوام.
ملامح التحول العسكري
يمثل التحول المصري في السنوات الأخيرة انتقالاً مدروسًا من نموذج قائم على الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة إلى نموذج قائم على تنويع الشراكات ومصادر القوة العسكرية. وقد جاءت التطورات الدولية – سواء الحرب في أوكرانيا أو المجازر الإسرائيلية في غزة والدعم الأمريكي المفتوح لها – لتكشف هشاشة الاعتماد على مصدر واحد للسلاح. وقد دفع ذلك القاهرة إلى تبني استراتيجية تنويع حقيقية، تُترجم إلى اتفاقيات تصنيع ومناورات مشتركة وفتح قنوات واسعة مع قوى آسيوية صاعدة.
ولم يأتِ هذا التحول نتيجة خلافات ظرفية، بل كاستجابة لبنية استراتيجية جديدة ترى القيادة المصرية أنها الأكثر ضمانًا لمستقبل الأمن القومي. فالمماطلة الأمريكية في تسليم طائرات F-15، ووضع قيود على تحديث F-16، والضغوط الإسرائيلية على شركاء أوروبيين لمنع نقل تكنولوجيا حساسة إلى الجيش المصري، مثل صواريخ الرافال، دفعت القاهرة إلى البحث عن مسارات بديلة. وقد حمل هذا البحث نتائج عملية، تمثلت في صفقات مع الصين وتركيا وكوريا الجنوبية وألمانيا وفرنسا، لكنها هذه المرة مشروطة بنقل المعرفة وليس مجرد التوريد.
ومع تزايد التوترات الإقليمية على حدود مصر – من ليبيا إلى غزة والبحر الأحمر – بات من الواضح أن القاهرة تحتاج إلى جيش أكثر استقلالًا وقدرة على المناورة بعيدًا عن القيود السياسية التي تُفرض على التسليح الأمريكي. وهذا ما يفسر الحرص المصري على عقد مناورات جوية غير مسبوقة مع الصين، وإطلاق برامج تصنيع مشترك، والانضمام إلى تكتلات دولية مثل بريكس التي تمنح القاهرة هامشًا سياسيًا واقتصاديًا أكثر اتساعًا.
الخروج من عباءة الغرب
تشير المعطيات المتراكمة منذ 2024 إلى أن مصر تتحرك بخطوات ثابتة للخروج التدريجي من الاعتماد المفرط على الغرب، دون أن يعني ذلك قطع العلاقات أو الدخول في محاور حادة. فقد جاءت المناورات الجوية "نسور الحضارة 2025" مع الصين لتؤكد أن القاهرة لم تعد تنظر إلى واشنطن بوصفها المصدر الوحيد للتكنولوجيا العسكرية. وقد وصف اللواء سمير فرج هذه المناورات بأنها جزء من خطة طويلة لتعزيز المرونة الاستراتيجية وتخفيف الارتباط بالمظلة الأمريكية التي أصبحت – وفق تحليله – "غير مضمونة ومرتبطة بشروط سياسية متقلبة".
ويقدم الخبراء الصينيون قراءة مشابهة، إذ ترى أندريا غيسيلي من جامعة إكسيتر أن زيارة رئيس الوزراء الصيني للقاهرة في يوليو 2025 كانت لحظة رمزية في تكريس "العقد الذهبي" للعلاقات بين البلدين. فالصين تسعى لزيادة نفوذها في أفريقيا والشرق الأوسط، ومصر من جهتها ترى في الشريك الصيني قوة صاعدة لا تفرض شروطًا سياسية ولا تخضع لضغوط إسرائيلية على صفقات التسلح. كما يؤكد محللون غربيون أن المناورات الجوية تعكس رسالة ضمنية مفادها أن القاهرة لم تعد تقبل دور "الحليف الثانوي" في ميزان واشنطن.
الشراكة مع تركيا
وفي السياق ذاته، يشكل التقارب مع تركيا تحولًا مهمًا بعد سنوات من القطيعة السياسية. فقد أدى التنسيق بين القاهرة وأنقرة بعد حرب غزة إلى فتح الباب أمام صفقات دفاعية نوعية، أبرزها التعاون في مشروع المقاتلة KAAN من الجيل الخامس وتطوير مسيرات قتالية. وقد وصف تقرير Atlantic Council هذه المرحلة بأنها "ذروة الصداقة المعاد إحياؤها" بين البلدين، بما يعكس انتقالًا من التوتر إلى الشراكة العسكرية العميقة.
وشهد معرض EDEX 2025 بروزًا لافتًا للتعاون الدفاعي بين تركيا ومصر، بعد الكشف للمرة الأولى عن منصّات غير مأهولة طُوّرت بالشراكة بين شركة هافلسان التركية والهيئة العربية للتصنيع في مصر. وقد استقطبت منصّتا Aqrab وHamza-1 اهتمامًا واسعًا داخل أروقة المعرض، حيث مثّلت نموذجًا لنمط جديد من التصنيع المشترك داخل مصر. المنصة Hamza-1، وهي طائرة مسيّرة بقدرات إقلاع عمودي، عُرضت داخل جناح الهيئة العربية للتصنيع بوصفها أحد أبرز الابتكارات، بينما ظهرت منصة Aqrab البرية غير المأهولة كمنصة 6×6 قادرة على حمل نظام سلاح يتم التحكم فيه عن بُعد، وهي قدرات لم تكن متوفرة سابقًا في الصناعة المصرية. وأكد شوكت أونال، نائب رئيس هافلسان، أنّ المنصّتين صُممتا بما يراعي ظروف الصحراء المصرية، وأنهما ستخضعان لمرحلة عروض ميدانية لاحقًا لجمع ملاحظات المستخدمين قبل إدخالهما الخدمة. وأوضح أن الشركة ستعزز هذا التعاون عبر خبراتها في الذكاء الاصطناعي وأنظمة القيادة والسيطرة، معتبرًا مصر بوابة استراتيجية نحو الأسواق الأفريقية، في ظل اهتمام وفود من دول عربية وأفريقية وخليجية بقدرات الشركة.
وفي موازاة هذا التعاون، أعلنت شركة أسيلسان التركية افتتاح مكتب تمثيلي لها في مصر، في خطوة وصفها مديرها العام أحمد أكيول بأنها “مرحلة جديدة” ستتيح خدمة احتياجات القوات المسلحة المصرية والعملاء المحليين مباشرة. وشارك نحو 80 شركة تركية في المعرض، في مؤشر إلى مستوى تطور العلاقات بين البلدين واتساع فرص الشراكات المشتركة. وأوضح أكيول أن أسيلسان وقّعت اتفاقًا تمهيديًا مع ثلاث شركات للتعاون مع شركاء محليين، بهدف التحول مستقبلاً إلى إنتاج مشترك. وقدّم جناح الشركة مجموعة واسعة من الأنظمة، من الدفاع الجوي إلى حزم التوجيه، مرورًا بالحرب الإلكترونية وتحديث الدبابات والحلول الاتصالية، مع اهتمام خاص بمنظومة الدفاع الجوي متعددة الطبقات "القبة الفولاذية"، وبحزمة التوجيه KGK-84 القادرة على إيصال قنبلة زنة طن واحد لمسافة تصل إلى 100 كيلومتر. كما عرضت الشركة راداراتها وأنظمتها البحرية ومنظومات الحرب الإلكترونية، في وقت أكد فيه أكيول أن العلاقات بين تركيا ومصر بلغت أفضل مستوياتها، وأن التعاون الدفاعي بينهما يشهد توسعًا ملحوظًا.
التصنيع العسكري المشترك
تُعدّ الاستراتيجية الجديدة للقاهرة في جوهرها قائمة على التصنيع المشترك وليس الاستيراد المباشر، وهو ما برز بوضوح في إيديكس 2025. فقد أعلنت الهيئة العربية للتصنيع عن مذكرة تفاهم مع شركة نورينكو الصينية لتصنيع طائرات بدون طيار “حمزة-2” محليًا، مع نقل تكنولوجيا يتيح لمصر بناء قدرات متقدمة في مجال المسيرات. وأكد رئيس الهيئة أن المشروع سيشكل نواة لتطوير خطوط إنتاج قابلة للتوسع نحو أنواع أكثر تعقيدًا في المستقبل.
كما فتح التعاون مع كوريا الجنوبية الباب أمام إنتاج المدفع K9 A1 EGY في مصر، وهو أحد أقوى أنظمة المدفعية ذاتية الحركة في العالم. وقد أصبحت النسخة المصرية من هذا السلاح رمزًا لمرحلة جديدة من التصنيع العسكري الذي يدمج بين التكنولوجيا الأجنبية والخبرة المحلية. ويُضاف إلى ذلك تصنيع أجزاء من مقاتلات رافال، ومدرعات متنوعة، وأنظمة صاروخية أبرزها "رعد 200" و"ردع 300"، إلى جانب سلسلة المسيرات المصرية "جبار" التي ظهرت كأحد منتجات الجيل الجديد من القدرة الذاتية.
ويرى محللون في تقرير Atlantic Council أن هذه الشراكات تمنح الجيش المصري "استقلالية تفاوضية" في مواجهة الضغوط الغربية، لأن امتلاك بدائل تكنولوجية يقلل من قدرة واشنطن على فرض شروط سياسية. كما يمنح القاهرة هامش مناورة أكبر في تطوير حلول دفاعية تتناسب مع خصوصية البيئة الإقليمية التي تعمل فيها القوات المسلحة، خاصة مع تزايد المهام على الحدود وفي البحر الأحمر.
دور مصر الإقليمي المتصاعد
ينعكس التحول العسكري المصري بصورة مباشرة على دور القاهرة في الإقليم، إذ لم يعد دورها قائمًا على الثقل السياسي فقط، بل على قدرات صناعية وعسكرية تمنحها موقعًا قياديًا في أفريقيا والشرق الأوسط. فالتقارير تشير إلى أن مصر تُصدّر أسلحة إلى أكثر من 30 دولة، وهو رقم يعكس صعودها كمورد دفاعي قادر على منافسة لاعبين تقليديين. كما أن امتلاكها لقدرة تصنيع متنوع يمنحها قوة تأثير في ملفات مثل ليبيا والسودان وغزة والبحر الأحمر.
وترى دراسات مركز القوات المسلحة المصرية أن دخول القاهرة إلى تكتل بريكس يعزز مرونتها الجيوسياسية، لأنها لم تعد مضطرة لحصر تسليحها في مصدر واحد. كما يشير تقرير نشرته EISMENA إلى أن تنامي التعاون مع الصين قد يُعيد تشكيل موازين القوى في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تمتلك مصر مصالح اقتصادية وأمنية متزايدة. ويذهب تقرير Manara Magazine إلى أن تقليص الاعتماد على الغرب يفتح الباب أمام القاهرة لتكون "محورًا عسكريًا" في الشرق الأوسط، وهو ما قد يثير قلق إسرائيل التي تتابع تطور القدرات المصرية بحساسية مستمرة.
لكن هذا التحول يحمل في المقابل تحديات تفرض على القاهرة الحفاظ على علاقات متوازنة مع الغرب لمنع أي توتر غير محسوب. فواشنطن لا تزال شريكًا محوريًا في منظومة التسليح المصرية، وتملك أدوات ضغط اقتصادية وسياسية. ويرى محللون في Wilson Center أن التزايد السريع في البرامج الدفاعية قد يدفع الولايات المتحدة إلى محاولة إعادة ضبط علاقتها مع القاهرة، خاصة مع الاحتقان الناتج عن الحرب في غزة والمواقف المصرية الرافضة لسياسات الاحتلال.
استراتيجية مصر في تنويع التسليح
قال اللواء عادل العمدة، المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، إن مصر لها نهج معين في تنوع مصادر السلاح، فهي لا تعتمد على مصدر واحد غربي أو مصدر واحد شرقي، مضيفا أن مصر تركز على تلبية متطلبات أمنها القومي في أي تجاه سواء شرقي أو غربي، من خلال توطين صناعات الدفاعية من جهة ومن جهة تانية من خلال الشركات الاستراتيجية التي تنفذها مع كبريات الدول المعنية في هذا المجال أو في هذا التخصص.
وأوضح "العمدة"، في تصريحات خاصة لـ"180 تحقيقات"، أنه إذا كانت مصر حاليا متجهة نحو الصين وتركيا فهذا يرجع إلى وجود بعض المتطلبات التي تقضتي ذلك الآن. وأشار إلى أنه في السابق كانت الشراكات مع الولايات المتحدة الأمريكية أو مع البرازيل أو مع كوريا الجنوبية أو الصين أو مع ألمانيا أو مع الهند أو مع أي دولة من الدول المتقدمة تبقى لتصنيف جلوبال فاير باور.
وأكد "العمدة" أن مصر تتحرك وفق منهجية معينة واستراتيجية معينة هي تلبية متطلبات الأمن القومي من جهة، وتنويع مصادر السلاح من جهة تانية، حتى لا يكون "صباعها تحت ضرس أحد".
ونوّه الخبير العسكري إلى أن التركيز المصري على التصنيع العسكري المشترك والبداية الاستراتيجية حقيقة واقعة الآن، فمصر تتجه نحو التصنيع العسكري المشترك، وتستفيد من معرض إيديكس في مثل هذه الأمور في استعراض أحدث الأسلحة من خلال النافذة المتمثلة في إيديكس.
وأوضح "العمدة" أن الأسلحة الجديدة المعروضة لأول مرة، مثل راجمة الصواريخ "ردع 300"، هي راجمة صواريخ موجهة مجنزرة متعددة الأعيرة. تتميز بقدرتها على إطلاق ذخائر مختلفة، وتحقيق إصابة أهداف تصل لمسافة 300 كيلومتر، والعمل في مختلف الطرق. تصل سرعتها إلى 40 كلم/ساعة، وهي مركبة خفيفة (4×4) مجهزة بمدفع ثنائي 23 مم مضاد للطائرات، تم تطويره لتقليل الارتداد وزيادة كفاءة الاستخدام ضد الأهداف الأرضية والجوية.
وأشار إلى أن المدفع يتميز بمعدل نيران مرتفع يصل إلى 1600 طلقة في الدقيقة، ومدى يتجاوز 2 كيلومتر للأهداف الأرضية و2.5 كلم للأهداف الجوية. يمكن الإطلاق الفردي أو الزوجي. الهدف من هذه الأسلحة الجديدة هو امتلاك القوة والحفاظ على التفوق العسكري المصري، مما يعزز قدرات الردع ويحمي الأمن القومي. كما أنها ترسل رسالة طمأنة للمواطنين بأن الدولة تمتلك القدرات اللازمة لصون أمنها واستقرارها.
وأضاف: "أن تكون ممسكا بمقاليد أمورك، ولديك قدرة على حفظ التوازن الاستراتيجي في المنطقة، ورقم مهم ومؤثر في المعادلة، ومعرض وجاذب الاستثمار ومحط أنظار العالم، كل ذلك بالتأكيد يؤثر في دورك الإقليمي وثقلك في المنطقة وثقلك في القرارات الدولية وثقلك كمؤثر في المنظمات الدولية والإقليمية وقضايا الاهتمام المشترك مع دول العالم كله ولك رأي فيها".
وشدد المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، على ان التحول العسكري الاستراتيجي المصري الحاصل الآن ، والقدرة المصرية على الردع وحماية الإنجازات وحفظ الاستثمارات وحفظ الاستقرار في دولتك وفي المنطقة كلها، كل ذلك له انعكاس مؤكد على الدور الإقليمي وله تأثير فاعل إيجابي بكل المقاييس على شكل الدولة المصرية وثقلها في المنطقة.
كما لفت "العمدة" إلى جانب آخر مهم، ألا وهو حرية القرار السياسي، وعدم التبعية لأي طرف، فالقرار السياسي للدولة قرار حر، ما يكسبه المصداقية والاحترام من قبل المنظمات الدولية والإقليمية فيما يتعلق بوجهة نظرك أو رأيك أو طرحك للقضايا العالقة أو القضايا الإقليمية والدولية أو أيضاً في تحقيق مصالحك كدولة زاد كيان مستقل".
تنوع.. لا تحول
بدوره، قال الكاتب والباحث السياسي المصري إيهاب شوقي، إنه إذا أردنا الحديث بموضوعية بعيدا عن بعض المبالغات التي تنشرها بعض المواقع المحسوبة على النظام، وبعيدا أيضا عن التقزيم والدعايات الكاذبة للمواقع المعادية للنظام المصري فنحن بحاجة لضبط بعض المفاهيم، وأهمها مفهوم التحول الاستراتيجي العسكري وارتباطه بتغير التحالفات، وهل يعني التحول الخروج من عباءة الى عباءات اخرى ام لا؟
وأوضح "شوقي" في تصريحات خاصة لـ"180 تحقيقات" أن المراقب لتطوير قدرات الجيش المصري يرصد تحولا استراتيجيا بالمعنى العلمي من زاوية تطوير القدرات كي تلائم البيئة الأمنية العالمية ومواكبة الحروب الحديثة من حيث القدرات السيبرانية ومكافحة الإرهاب وكذلك تعديلات على العقيدة العسكرية لتواكب المخاطر والتهديدات في الخارج.
واستدرك "شوقي": "لكن هذا لايعني التفاتة استراتيجية وتغير بالتحالفات، حيث لاتوجد شواهد على الخروج من عباءة الغرب وتحديدا الولايات المتحدة الامريكية والتي تربطها شراكة استراتيجية عميقة مع مصر، وتحديدا مع اتفاقية السلام وخروج مصر في عهد السادات من عباءة الاتحاد السوفيتي إلى العباءة الامريكية".
ولفت "شوقي" إلى أن التمويل العسكري الامريكي بموجب اتفاقية السلام هو الضامن لهذا الارتابط، وظل المبلغ السنوي لهذا التمويل ثابتًا نسبيًا عند حوالي 1.3 مليار دولار.
وكما أشار الباحث السياسي إلى أن جميع المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر تمول شراء أنظمة وخدمات الأسلحة مباشرة من مقاولي الدفاع الأمريكيين، وهو ما عزز اعتماد القوات المسلحة المصرية على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، وكان له الأثر في بروتوكولات التدريب والأطر اللوجستية، وبالتالي فإن التخلي المفاجئ أو الكامل عن هذا الاعتماد يمثل تحديات كبيرة بسبب التوافق الراسخ والمتين مع الأنظمة الأمريكية.
وأضاف: "يمكننا هنا أن نقول أن مصر لجأت لبعض إجراءات التنوع العسكري، بداية من توطين صناعة بعض الدفاعات، ومرورا بالتعاون مع الصين وروسيا، ولكن في إطار لايمثل تناقضا أو يخرق الخطوط الحمراء الأمريكية والتي تتمثل في الحفاظ على التفوق الإسرائيلي".
ووفق "شوقي"، هناك أمثلة حية على ذلك، حيث أعلنت أمريكا عن غضبها من سعي مصر للحصول على طائرات "سوخوي 35" من روسيا وكادت الأمور أن تصل إلى أزمة، ونجحت أمريكا في إيقاف الصفقة مقابل وعود لمصر بامتلاك طائرات إف 15 وهو ما يتم التداول حوله كل فترة بشأن اقتراب عقد الصفقة ولكنه يواجه عراقيل واعتراضات إسرائيلية وداخلية.
وأكد "شوقي" أن مصر تتوفر لديها نية امتلاك الردع وتنويع التسليح، ولكنها مقيدة بالارتباط الاستراتيجي وبكونها شريكا مع القيادة المركزية الأمريكية الوسطى "سنتكوم" وبارتباطها باتفاقيات ومناورات مشتركة مع أمريكا.
وشدد على أن الخروج من عباءة الغرب عمليا هو قرار سياسي يستتبعه إجراء عسكري وهو غير متوفر حاليا، ولكن ما نستطيع قوله أن هناك توجه لتعزيز العسكرية المصرية بأحدث الأسلحة والضغط على أمريكا لانتزاع أفضل ما لديها من أسلحة ظلت تحظرها عن مصر بالتلويح بامتلاك بدائلها من جهات أخرى. مضيفا: "هذا ما نراه حاليا من الشواهد السياسية والاستراتيجية بعيدا عن التهويل والتهوين".
انعكاسات استراتيجية أوسع
يشير مسار التطور الحالي إلى أن مصر تعيد صياغة موقعها بعيدًا عن نموذج "الحليف التابع" نحو نموذج "الشريك المستقل" القادر على بناء تحالفات متعددة الاتجاهات. وهذا التحول ليس عسكريًا فقط، بل سياسيًا واقتصاديًا أيضًا، إذ يرتبط الاستثمار في الصناعات الدفاعية بخلق قاعدة تكنولوجية وصناعية يمكن أن تمتد إلى قطاعات مدنية مرتبطة بالطيران والطاقة والاتصالات.
وتُدرك القيادة المصرية أن امتلاك القدرة الذاتية في الصناعات العسكرية هو شرط أساسي لاستعادة التوازن الإقليمي في مواجهة التهديدات المستمرة، سواء على حدود غزة أو البحر الأحمر أو ليبيا. ومع ذلك، فإن أكبر تأثير لهذا التحول يتمثل في إعادة تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة، التي ستجد نفسها مضطرة لإعادة النظر في أدواتها التقليدية في المنطقة، بعدما فقدت احتكارها للسوق المصرية.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو القاهرة مقبلة على مرحلة أكثر جرأة في رسم ملامح قوتها الدفاعية، مع اعتماد نموذج يقوم على الشراكات المتعددة، والتصنيع المحلي، وبناء منظومة ردع قادرة على حماية المصالح المصرية في بيئة إقليمية تتغير بسرعة غير مسبوقة.










