تأتي المشاركة التونسية في الدورة الحادية عشرة للمنتدى الدولي لتحالف الأمم المتحدة للحضارات، المنعقدة في الرياض يومي 14 و15 ديسمبر 2025، في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، ما يمنح هذه الخطوة بعداً سياسياً يتجاوز الطابع البروتوكولي. وترؤس وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي للوفد التونسي يعكس حرص تونس على توظيف الدبلوماسية الإقليمية كمدخل لتعزيز حضورها في النقاشات الدولية المتعلقة بالسلم والأمن والحوار الحضاري، خاصة في عالم يتجه بشكل متسارع نحو التعددية القطبية وتراجع أنماط الهيمنة التقليدية.
الدبلوماسية الإقليمية وشعار تحالف الحضارات
ينعقد المنتدى تحت شعار “تحالف الحضارات: عقدان من الحوار من أجل الإنسانية – النهوض بعصر جديد من الاحترام والتفاهم المتبادلين في عالم متعدد الأقطاب”، وهو شعار ينسجم مع الرؤية التونسية القائمة على ترسيخ الدبلوماسية الإقليمية كجسر بين الثقافات ومجالاً لتخفيف حدة الاستقطاب الدولي. فاختيار هذا الإطار يعكس إدراكاً أممياً متزايداً بأن الأزمات السياسية والأمنية لم تعد تُعالج بالأدوات الصلبة وحدها، بل عبر الحوار والتفاهم، وهي مقاربة لطالما سعت تونس إلى تبنيها وتسويقها في محيطها الإقليمي والدولي.
الدبلوماسية الإقليمية كأداة لمواجهة خطاب الكراهية
يمثل المنتدى مناسبة رفيعة المستوى لاستعراض دور تحالف الأمم المتحدة للحضارات في دعم السلم والأمن الدوليين، وتقييم مسار الحوار بين الثقافات خلال العقدين الماضيين. وفي هذا السياق، تبرز المشاركة التونسية بوصفها امتداداً لخط دبلوماسي يضع مواجهة خطاب الكراهية والتعصب في قلب أولوياته. فالدبلوماسية الإقليمية التونسية لا تكتفي بإعلان المواقف، بل تسعى إلى المساهمة في صياغة مقاربات جماعية تعالج جذور التطرف والانقسام، خاصة في منطقة تعاني من تداعيات صراعات مفتوحة واستقطابات حادة.
الدبلوماسية الإقليمية والرهانات السياسية لتونس
سياسياً، تعكس المشاركة التونسية حرصاً على تثبيت موقع البلاد كفاعل متوازن قادر على التواصل مع مختلف الأطراف، مستندة إلى رصيد تاريخي في دعم التعايش السلمي واحترام التنوع الثقافي. ومن خلال الدبلوماسية الإقليمية، تسعى تونس إلى تعزيز صورتها كشريك موثوق في المبادرات الأممية، وكطرف قادر على الربط بين الفضاءين العربي والمتوسطي، بما يخدم مصالحها الوطنية ويعزز وزنها التفاوضي في القضايا الإقليمية.
الدبلوماسية الإقليمية واستمرارية المسار التونسي
لا تنفصل المشاركة في منتدى الرياض عن المسار الذي انتهجته تونس خلال الفترة الأخيرة، خاصة من خلال احتضانها في 17 نوفمبر الماضي ندوة دولية حول “تفعيل دور تحالف الأمم المتحدة للحضارات في دعم السلم والأمن الدوليين”. وقد شكّلت تلك الندوة محطة تحضيرية مهمة أسهمت في بلورة رؤية مشتركة حول تعزيز الدور الحضاري للأمم المتحدة في مواجهة التحديات الراهنة. هذا التراكم يعكس فهماً تونسياً لأهمية الاستمرارية في العمل الدبلوماسي، ويؤكد أن الدبلوماسية الإقليمية ليست تحركاً ظرفياً، بل خياراً استراتيجياً طويل المدى.
الدبلوماسية الإقليمية في عالم متعدد الأقطاب
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تبرز الدبلوماسية الإقليمية كأداة أساسية للتكيّف مع واقع جديد تتراجع فيه الأحادية لصالح توازنات أكثر تعقيداً. ومن هذا المنطلق، تبدو المشاركة التونسية في المنتدى محاولة واعية لربط الخطاب الحضاري بالمصالح السياسية، وتأكيد أن الحوار بين الثقافات لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة استراتيجية لحماية السلم العالمي. هكذا تسعى تونس، عبر الدبلوماسية الإقليمية، إلى ترسيخ موقعها كصوت داعم للتفاهم والتضامن الإنساني في زمن الأزمات المتداخلة.










