4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

استهداف رائد سعد.. رسائل "الرجل الثاني" في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية

قراءة تحليلية

بقلم: محمد خميس
١٤ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
16 مشاهدة
رائد سعد

رائد سعد

شكل إعلان الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام "الشاباك" عن اغتيال القيادي البارز في كتائب عز الدين القسام، رائد سعد، في غارة استهدفت مركبته غرب مدينة غزة، تطوراً نوعياً يفرض قراءة متأنية في سياق العمليات العسكرية المستمرة وسياسة الاستهداف المركز والممنهج للقيادات.

ويأتي هذا الاستهداف، الذي وصفته وسائل إعلام عبرية بأنه الأكبر منذ أشهر، في مرحلة تتصاعد فيها التوترات وتتزايد فيها خروقات اتفاقات وقف إطلاق النار المؤقتة، ليعكس محاولات إسرائيلية مستمرة لتحقيق "صورة النصر" وتفكيك البنية التحتية العسكرية لحركة حماس.

من هو رائد سعد؟ وزن "الرجل الثاني" في المعادلة القسامية

الإعلام الإسرائيلي لم يكتفِ بالإعلان عن الاستهداف، بل خصص مساحة واسعة للحديث عن الأهمية الاستخباراتية والعملياتية لرائد سعد. ووفقاً لبيانات الجيش الإسرائيلي ووسائل الإعلام العبرية، فإن سعد، الذي وُصف بأنه "الرجل الثاني في الجناح العسكري لحماس" وقائد ركن التصنيع، كان يمتلك سجلاً حافلاً بالدور القيادي المحوري:

مهندس العمليات والتصنيع: نُسب إليه دوره كأحد مهندسي خطط التصنيع العسكري ووسائل القتال، بما في ذلك بناء منظومة الصواريخ وتطوير القوة البحرية.

وأشارت تقارير إلى أنه كان مسؤولاً عن الخطط العملياتية، وشارك في صياغة وإعداد الخطط التي اعتمدتها الحركة في هجوم السابع من أكتوبر 2023.

ونجا سعد من محاولات اغتيال سابقة، ما جعله هدفاً استخباراتياً ذا أولوية قصوى منذ عقود، هذا التضخيم الإعلامي لدور سعد ليس مجرد وصف، بل هو جزء من رسالة إسرائيلية تهدف إلى تبرير الجهد الاستخباراتي والعملياتي الكبير الذي بُذل للوصول إليه، ويخدم الرواية القائلة بأن الحرب تهدف إلى "تصفية قيادات الإرهاب".

الاستهداف والسياق العملياتي: ضرب "إعادة البناء"

يربط الإعلام الإسرائيلي عملية اغتيال سعد بشكل مباشر بسياق مرحلة العمليات العسكرية الحالية، والتي تختلف عن المراحل السابقة من الحرب.

 فبعد انسحاب القوات من مناطق واسعة من القطاع، تضاعفت جهود الفصائل الفلسطينية لـ "إعادة بناء" قدراتها وتصنيع ما دمرته العمليات العسكرية.

وتستهدف إسرائيل "الخبرة المتراكمة" أكثر من مجرد الشخص. فسعد يمثل ذاكرة عملياتية ومعرفية في مجال التسليح لا يمكن تعويضها بسهولة، ما يؤدي إلى إرباك داخلي في هيكلية القيادة.

خرق تكتيكي لاتفاق الهدنة: يشير توقيت العملية، التي جاءت في ظل اتفاق لوقف إطلاق النار (مؤقت أو هش)، إلى أن إسرائيل تعتبر استهداف القيادات البارزة جزءاً لا يتجزأ من استراتيجيتها العسكرية التي لا تتوقف عند حدود الهدنة، خاصة إذا تعلق الأمر بمن تعتبرهم "مهندسي" الهجمات أو "معيدي بناء" القوة.

الأبعاد الإعلامية والسياسية الداخلية: تبرير الاستمرار

بعيداً عن الميدان، يحمل الإعلان عن اغتيال رائد سعد رسائل قوية موجهة للداخل والخارج حيثيمثل نجاح العملية الاستخباراتية في الوصول إلى "الرجل الثاني" دليلاً، تقدمه الحكومة، على أن الحرب تحقق أهدافها المعلنة في تفكيك بنية حماس القيادية والعسكرية، وهو ما تحتاجه الحكومة بشدة في ظل الضغوط الداخلية.

وتخدم سياسة الاغتيالات في إطار الحرب النفسية والردع. فهي ترفع سقف التكلفة على القيادات وتضغط على الحركة في أي مفاوضات مستقبلية كما أن ربط نتنياهو ووزير الدفاع العملية بأنها جاءت "رداً على تفجير عبوة استهدفت جنودنا" جنوبي القطاع، ما يمنح الاغتيال طابع "الرد الفوري" ويبرره كـ "عملية عقابية" وليس خرقاً صريحاً لاتفاق وقف النار.

تقييم تأثير الضربة على الهيكل العسكري لحماس

لا شك أن اغتيال قيادي بهذا الوزن يشكل "ضربة موجعة" للحركة، كما وصفته بعض المصادر الإعلامية. ومع ذلك، يميل المحللون العسكريون إلى التأكيد على أن حركات المقاومة تمتلك عادة "بنك أهداف" و"صف ثاني" قيادي مدرب ومجهز لتولي المهام فوراً.

التعويض الفوري: قد يؤدي الاستهداف إلى إرباك مؤقت، لكن الهيكل التنظيمي لحماس مصمم للعمل في ظروف المطاردة، وهناك بدائل جاهزة لملء الفراغ، على الرغم من صعوبة تعويض "الخبرة النوعية" في التصنيع.

تحدي "الانتصار المطلق": تظل عمليات الاغتيال، مهما كانت أهمية الشخص المستهدف، جزءاً من استراتيجية "استنزاف" وليست "ضربة قاضية". ويستمر التحدي الإسرائيلي الأكبر متمثلاً في تدمير القدرة القتالية العامة للحركة وليس فقط تصفية قياداتها، حيث أثبتت حماس قدرتها على الاستمرار في القتال والتجديد.

الاستراتيجية المستدامة لـ "بنك الأهداف"

يؤكد استهداف رائد سعد، واهتمام الإعلام الإسرائيلي بتفاصيله، استمرار استراتيجية الجيش في ملاحقة "بنك الأهداف القيادية" كأولوية قصوى، هذه الاستراتيجية لا تهدف فقط إلى شل القدرة العملياتية الآنية، بل تسعى لتدمير القدرة على التعافي والتصنيع في مرحلة ما بعد الحرب. 

ومع استمرار العمليات العسكرية، فإن هذه الاغتيالات تشير إلى أن إسرائيل لن تتوقف عن استخدام التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي لـ "خفض رأس" الهيكل القيادي لحماس، في محاولة لفرض واقع جديد على الأرض.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال