4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

مباحثات الجنائية الدولية.. ما هي تداعياتها على دارفور ومستقبل السودان؟

الانعكاسات القانونية على ملف دارفور – العدالة المؤجلة

بقلم: محمد خميس
١٤ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
6 مشاهدة
الجنائية الدولية

الجنائية الدولية

شكلت مباحثات الخرطوم الأخيرة مع وفد المحكمة الجنائية الدولية “ICC”، خطوة تاريخية ومفصلية في مسار العدالة الانتقالية في السودان، خاصة فيما يتعلق بملف جرائم دارفور.

فبعد سنوات من المماطلة والرفض في عهد النظام السابق، مثلت موافقة الحكومة الانتقالية أو الحكومة الحالية بعد التغيير السياسي على التعاون الكامل مع المحكمة نقلة نوعية، لكن هذا القرار، وإن كان يمثل انتصاراً لضحايا دارفور، فإنه يحمل في طياته تعقيدات سياسية وقانونية قد تنعكس بشكل عميق على مستقبل السودان، استقراره، ومسار تحوله الديمقراطي الهش. هذا التقرير يحلل نتائج هذه المباحثات وتأثيرها المزدوج على ملف دارفور والمسار السياسي العام في البلاد.

نتائج المباحثات – كسر الجمود نحو المساءلة

وتمحورت نتائج مباحثات الخرطوم حول إعلان النوايا الصادق للتعاون ووضع آليات تسليم المتهمين، والذين أبرزهم الرئيس السابق عمر البشير وقيادات أخرى مطلوبة دولياً بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية في إقليم دارفور:

النتيجة الأبرز كانت اعتراف الحكومة السودانية بضرورة مثول المتهمين أمام العدالة، سواء داخل السودان بمحاكم ذات معايير دولية أو أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي هذا الاعتراف يمثل نهاية لسياسة الحصانة التي طالما اعتمدها النظام السابق.

واتفق الطرفان على وضع آليات لترتيب عملية التسليم أو إنشاء محكمة خاصة مختلطة (سودانية-دولية) لمحاكمة المتهمين في قضايا دارفور،وقد شملت المباحثات تبادل المعلومات والأدلة اللازمة لسير التحقيقات.

وأعادت المباحثات ملف دارفور، الذي خفت الاهتمام به دولياً، إلى الواجهة. فالتعاون مع الجنائية الدولية يعطي زخماً قوياً لجهود العدالة الانتقالية والتعويض لضحايا الإقليم.

الانعكاسات القانونية على ملف دارفور – العدالة المؤجلة

على المستوى القانوني، يمثل التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية إقراراً بمبدأ "لا إفلات من العقاب"، وهو حجر الزاوية في بناء دولة القانون:

للمرة الأولى، يصبح مثول المتهمين الرئيسيين أمام محكمة دولية أمراً وشيكاً. هذا يبعث برسالة قوية إلى جميع مرتكبي الجرائم بأن الزمن قد تغير، ويغذي الأمل لدى ضحايا دارفور في تحقيق العدالة التي انتظروها لأكثر من عقدين.

كما أن قضية العدالة هي جزء لا يتجزأ من اتفاقات السلام الموقعة بين الحكومة والحركات المسلحة. التعاون مع الجنائية الدولية قد يرضي بعض الحركات، لكنه قد يثير حفيظة مجموعات أخرى أو أطراف في القوات المسلحة، ما يهدد بتقويض التوافق السياسي اللازم للمضي قدماً في العملية الانتقالية.

ويمثل قرار التعاون اختباراً حقيقياً لمدى استعداد المكون العسكري في السلطة للتخلي عن مبدأ الحصانة وإخضاع قادته للمساءلة، نجاح هذا التعاون يعزز سلطة المكون المدني ومبادئ الشفافية والمساءلة، بينما فشله سيعيد الأمور إلى مربع الهيمنة العسكرية على القرار.

ويمنح التعاون مع الجنائية الدولية الحكومة السودانية الحالية شرعية ودعماً دوليين كبيرين، ويسهل رفع العقوبات الدولية، وإعادة اندماج السودان في المجتمع الدولي، والحصول على التمويل والمساعدات اللازمة لتحقيق التعافي الاقتصادي.

عقود من الإفلات من العقاب والحاجة إلى تحول

لم يكن ملف التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية مجرد قرار إجرائي في الخرطوم، بل هو نتيجة طبيعية لتحول سياسي جذري أعقب ثورة ديسمبر 2018 وسقوط نظام عمر البشير، الذي حكم البلاد لثلاثة عقود.

فخلال الفترة الممتدة من 2003، ومع اندلاع النزاع المسلح في إقليم دارفور، تم اتهام النظام بارتكاب فظائع واسعة النطاق ضد المدنيين. وفي عام 2005، أحال مجلس الأمن الدولي (بموجب القرار رقم 1593) ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت لاحقاً مذكرات توقيف بحق الرئيس المخلوع عمر البشير وأربعة من كبار مساعديه، بتهم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية.

ظل النظام السابق يرفض بشكل قاطع التعاون مع المحكمة، معتمداً على مبدأ "السيادة الوطنية" كدرع لحماية المتهمين، ما أدى إلى عزلة دولية خانقة وتصنيف السودان ضمن "الدول المارقة".

تأتي مباحثات الخرطوم الأخيرة تتويجاً لهذا التعهد، لكنها تتم في ظل تحديات هائلة: أولها، الانقسام الداخلي حول مصير المتهمين"بين من يطالب بتسليمهم فوراً ومن يدعو لمحاكمتهم محلياً"، وثانيها، الوضع الأمني الهش، حيث لا تزال مناطق واسعة من دارفور تشهد عنفاً متقطعاً يهدد بتقويض جهود السلام الهشة وبالتالي، فإن قرار التعاون مع الجنائية لا يتعلق فقط بمحاكمة أفراد، بل هو عملية معقدة تسعى لإنهاء الإرث الثقيل للإفلات من العقاب وتمكين السودان من بناء مستقبل سياسي مستقر على أسس العدالة والشفافية.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال