شهدت المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، اليوم الأحد، موجة من الاعتصامات الجماهيرية الحاشدة التي نظّمها اللاجئون الفلسطينيون، لتؤكد مجدداً أن قضية اللاجئين وحق العودة لا يزالان يشكلان جوهر الصراع العربي-الإسرائيلي، وعنواناً لا يقبل التصفية أو المساومة.
هذه التحركات الشعبية لم تكن مجرد مظاهرات عابرة، بل كانت رسالة سياسية عميقة وموحدة، تنطلق من قلب المخيمات التي تعتبر شاهداً حياً على النكبة المستمرة، في ظل تحديات سياسية وإنسانية متفاقمة تستهدف تذويب قضيتهم.
دلالات الحشود – تأكيد الوحدة وتمسك بالثوابت
تكتسب الاعتصامات في المخيمات اللبنانية أهمية خاصة في هذا التوقيت، نظراً لتعدد الرسائل التي حملتها الحشود منها رسالة الوحدة كانت هي العنوان الأبرز. ففي ظل الانقسام الفلسطيني الداخلي واستمرار الحرب في غزة، خرج اللاجئون ليؤكدوا وحدة الشعب الفلسطيني في الشتات والداخل، وتمسكهم بالأهداف الوطنية الثابتة التي لا تختلف عليها الفصائل، وفي مقدمتها حق العودة إلى الديار التي هُجّروا منها قسراً.
كما رفع المشاركون الأعلام الفلسطينية ولافتات واضحة تشير إلى أن حق العودة هو "حق فردي وجماعي لا يسقط بالتقادم ولا يقبل المساومة"، هذا التأكيد موجه بشكل خاص إلى الجهود الدولية والإقليمية التي تسعى لفرض حلول دائمة تلتف على هذا الحق مقابل تعويضات أو توطين.
وشدد المتظاهرون على أن أي حلول أو تسويات يجب أن تستند إلى العدالة وقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 194 للجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر عام 1948، الذي ينص على حق اللاجئين في العودة والتعويض. هذا التمسك القانوني يعزز الموقف الفلسطيني ويرفض أي محاولات للالتفاف على الأساس القانوني لحقوقهم التاريخية.
قضية اللاجئين.. جوهر الصراع ورفض التصفية
اعتبر المتظاهرون بوضوح أن قضية اللاجئين تشكل جوهر القضية الفلسطينية، وأنها ليست مجرد قضية إنسانية يمكن حلها بالمعونات والمساعدات، بل هي قضية سياسية وقانونية بامتياز حيث تأتي هذه التحركات كرسالة قاطعة برفض أي محاولات لـ تصفية قضية اللاجئين عبر التوطين القسري في دول اللجوء أو إغراءات التعويض، وهو ما يمثل مطلباً لبنانياً رسمياً قديماً برفض التوطين. الرسالة المزدوجة هنا هي: العودة هي الحل الوحيد، والتمسك بالهوية الوطنية الفلسطينية في الشتات هو خط الدفاع الأخير.
ويهدف اللاجئون من خلال حشدهم إلى الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية في المخيمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة التي تواجهها المخيمات، والتي قد تستغل لزرع اليأس ومحاولات تذويب الهوية.
الأونروا.. شاهد على النكبة وخط أحمر
وخصصت الاعتصامات جزءاً من رسالتها للدفاع عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي تواجه حملات تجفيف مالي وسياسي غير مسبوقة:
وأكد المتظاهرون أن الأونروا لا تمثل مجرد مؤسسة إغاثية، بل هي "شاهد دولي حي على نكبة الشعب الفلسطيني" ووجودها مرتبط بوجود قضية اللاجئين وحق العودة.
و شدد المنظمون على أن استهداف الوكالة سياسياً أو مالياً يشكل "استهدافًا مباشرًا لحق العودة". فمحاولة إنهاء عمل الوكالة هو محاولة لإنهاء البعد الدولي والقانوني لقضية اللاجئين، وجعلها قضية داخلية يمكن طيها.
تحصين المخيمات وتجنب التوظيف السياسي
إحدى أهم الرسائل التنظيمية التي خرجت بها هذه الاعتصامات كانت الدعوة إلى تعزيز الوحدة الشعبية وتحصين المخيمات الدفاع عن الحقوق لا التجاذبات: أكد المنظمون أن الهدف من التحركات الشعبية هو "الدفاع عن الحقوق الوطنية"، وليس "الزج بالمخيمات في صراعات أو تجاذبات لا تخدم القضية". هذه الدعوة تأتي في ظل حساسية الوضع الأمني والسياسي للمخيمات في لبنان، والتي غالباً ما تكون ساحة للتنافس الإقليمي والفصائلي.
و شدد المنظمون على أن المخيمات الفلسطينية ستبقى "عنوانًا للصمود والتمسك بالحقوق"، وأن نضال اللاجئين السلمي مستمر، كرسالة واضحة بأن مرور عقود على النكبة لم يضعف من تمسكهم بحقهم المشروع في العودة.
حق العودة.. الأولوية التي لا تتغير
تؤكد الاعتصامات الحاشدة للاجئين الفلسطينيين في لبنان مجدداً أن حق العودة هو خط أحمر وثابت غير قابل للتفاوض أو التنازل، وهو الأولوية التي توحد الشعب الفلسطيني في الشتات.
إن هذه التحركات تبعث برسالة واضحة إلى جميع الأطراف الإقليمية والدولية: لا يمكن تجاوز قضية اللاجئين في أي تسوية قادمة. فما لم يتم التعامل مع الأسباب الجذرية للنكبة والاعتراف بالحقوق التاريخية وفقاً لقرار 194 والعدالة الدولية، ستظل المخيمات تمثل خزاناً للنضال الشعبي والرافض لكل محاولات التصفية هذه الصرخة من لبنان هي تجديد للعهد بأن المخيمات هي نقطة الانطلاق نحو الوطن، وليس نقطة النهاية في الشتات.










