4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

الأمطار تغرق مستشفى الشفاء في غزة.. الحصار يحوّل الطقس إلى كارثة

أغرقت أمطار غزيرة أجزاء واسعة من قطاع غزة،فجر الثلاثاء، في مشهد أعاد إنتاج المأساة الإنسانية بأبعاد أكثر قسوة، بعدما تسربت المياه إلى أقسام حيوية في مجمع الشفاء الطبي

بقلم: شيماء مصطفى
١٦ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
5 مشاهدة
الأمطار تغرق مستشفى الشفاء

الأمطار تغرق مستشفى الشفاء

أغرقت أمطار غزيرة أجزاء واسعة من قطاع غزة،فجر الثلاثاء، في مشهد أعاد إنتاج المأساة الإنسانية بأبعاد أكثر قسوة، بعدما تسربت المياه إلى أقسام حيوية في مجمع الشفاء الطبي، أكبر مستشفيات القطاع، وتحديداً أقسام الاستقبال والطوارئ، ما أدى إلى تعطيل العمل فيها. وفي الوقت ذاته، غمرت مياه الأمطار آلاف خيام النازحين، فيما تطايرت مئات الخيام الأخرى بفعل الرياح العاتية المصاحبة للمنخفض الجوي الذي يضرب القطاع منذ مساء الاثنين.

ويعد هذا المنخفض الثاني خلال أقل من أسبوع، بعد المنخفض القطبي “بيرون” الذي تسبب في مصرع 14 فلسطينياً، وتضرر أو غرق نحو 53 ألف خيمة كلياً أو جزئياً، ما عمّق معاناة السكان الذين يعيشون أصلاً تحت تداعيات حرب مدمّرة وحصار خانق.

مستشفى الشفاء وهشاشة المنظومة الصحية 

ما جرى في مستشفى الشفاء لا يمكن فصله عن حالة الانهيار المزمن للمنظومة الصحية في غزة. فالمجمع الطبي، الذي تعرض لدمار واسع وقصف وحرق لجميع مبانيه خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، يعمل اليوم بقدرات محدودة للغاية. ورغم محاولات وزارة الصحة ترميم بعض أقسامه خلال الشهرين الماضيين عقب دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، فإن حجم الدمار الهائل ونقص الإمكانات يحولان دون عودة العمل فيه بشكل طبيعي.

هذه الهشاشة ليست نتاج العوامل الطبيعية، بل نتيجة مباشرة للحصار المستمر وعرقلة الاحتلال إدخال الأجهزة الطبية والمستلزمات والأدوية، ما جعل أي منخفض جوي كفيلاً بشلّ أحد أهم المرافق الصحية في القطاع، وتهديد حياة آلاف المرضى والجرحى.

الشفاء وحماية المرافق الطبية

وفق القانون الدولي الإنساني، تتحمل قوة الاحتلال مسؤولية واضحة في حماية المرافق الطبية وضمان استمرار عملها، وعدم تعريضها للخطر سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. إلا أن واقع مستشفى الشفاء، وما تعرض له من تدمير سابق ثم إغراق نتيجة غياب البنية التحتية والصيانة، يعكس تنصلاً واضحاً من هذه المسؤولية.

استمرار قيود الاحتلال على إدخال مواد الصيانة والوقود والمعدات الطبية يجعل الاحتلال مسؤولاً قانونياً عن النتائج الكارثية التي تطال المستشفيات، حتى عندما تكون الأسباب المباشرة طبيعية كالأمطار. فالإهمال القسري والحصار يحولان الظواهر المناخية إلى أدوات قتل غير مباشرة، ويضعان حياة المدنيين والطواقم الطبية في دائرة الخطر الدائم.

النازحون بين الخيام والمباني المدمرة

على صعيد النازحين، كشفت الأمطار حجم المأساة اليومية التي يعيشها مئات الآلاف. شهود عيان أفادوا بأن آلاف الفلسطينيين استيقظوا ليجدوا خيامهم غارقة أو متطايرة مع مقتنياتهم. وقال الفلسطيني خالد عبد العزيز: “استيقظنا على صوت رياح عاتية تضرب خيمتنا، حاولنا تثبيتها بأيدينا لكن الرياح اقتلعتها وتطايرت كل مقتنياتنا… أجلس مع زوجتي وأطفالي في العراء تحت مياه الأمطار ولا يوجد أي مكان نلجأ إليه”.
كما اضطرت عائلات أخرى، بينها الفلسطينية مها أبو جزر وأطفالها الثلاثة في منطقة المواصي غرب خان يونس، إلى الفرار دون وجهة بعد غرق خيامهم بالكامل. وفي مشهد أكثر خطورة، لجأ مئات الفلسطينيين إلى الاحتماء تحت بقايا مبانٍ مدمرة، رغم تهديدها بالانهيار.

تحذيرات الدفاع المدني وخطر الانهيارات

حذر متحدث الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، من أن آلاف المنازل المتضررة جزئياً خلال حرب الإبادة مهددة بالانهيار في أي لحظة بفعل الأمطار والرياح العاتية. وقال إن هذه المباني “تشكل خطراً جسيماً على حياة مئات آلاف الفلسطينيين الذين لم يجدوا أي ملجأ”، مشيراً إلى أن التحذيرات المتكررة للعالم لم تلقَ أي استجابة.

وخلال المنخفض السابق، انهار 13 مبنى على الأقل فوق رؤوس ساكنيها الذين لجأوا إليها هرباً من البرد والمطر، في دليل إضافي على تلازم الكارثة الإنسانية مع الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب.

الكارثة المناخية في ظل القيود على الإغاثة وإعادة الإعمار

تكشف تداعيات الأمطار أن الكارثة المناخية في غزة ليست منفصلة عن السياق السياسي. فتنصل الاحتلال من التزاماته الواردة في اتفاق وقف إطلاق النار وبروتوكوله الإنساني، وخاصة إدخال مواد الإيواء و300 ألف خيمة وبيوت متنقلة، جعل النازحين مكشوفين أمام أي تغير جوي.
استمرار منع إعادة الإعمار وتعطيل إدخال مواد البناء والبنية التحتية حول الأمطار إلى عامل تدمير إضافي، وفاقم آثار حرب خلّفت أكثر من 70 ألف قتيل وما يزيد على 171 ألف جريح، ودماراً طال 90 في المئة من البنى التحتية المدنية.

مستشفى الشفاء وسياسات الحصار

ما حدث في مستشفى الشفاء ومخيمات النازحين يؤكد أن أزمة غزة لم تعد مجرد مأساة إنسانية طارئة، بل نتيجة مباشرة لسياسات حصار وإهمال ممنهج. هشاشة المنظومة الصحية، وتعريض المرافق الطبية للخطر، وترك مئات الآلاف بلا مأوى حقيقي، كلها مؤشرات على مسؤولية قانونية وأخلاقية يتحملها الاحتلال، في ظل صمت دولي مستمر. ومع بقاء القيود على الإغاثة وإعادة الإعمار، ستظل كل عاصفة مطر اختباراً جديداً لفشل العالم في حماية المدنيين في غزة.

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال