عاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليضع المنطقة الأمنية العازلة في قلب الخطاب السياسي والعسكري المتعلق بالحرب في أوكرانيا، مؤكدًا أن موسكو ستحقق أهدافها سواء عبر المسار الدبلوماسي أو من خلال الوسائل العسكرية. هذا الطرح يعكس تحوّلًا لافتًا من إدارة حرب محدودة الأهداف إلى تثبيت واقع جغرافي وأمني طويل الأمد، تسعى روسيا من خلاله إلى إعادة رسم حدود نفوذها المباشر داخل الأراضي الأوكرانية.
بوتين شدد على أن بلاده تفضّل الحلول السياسية، لكنها لن تتردد في توسيع المنطقة الأمنية العازلة بالقوة إذا استمر رفض كييف وحلفائها الانخراط في مفاوضات “موضوعية”، على حد تعبيره، معتبرًا أن المعركة باتت مرتبطة بـ“الأسباب الجذرية للصراع”.
بوتين واتساع المنطقة الأمنية العازلة
ميدانيًا، تستند موسكو في حديثها عن المنطقة الأمنية العازلة إلى واقع السيطرة العسكرية على الأرض. فروسيا تفرض نفوذها الكامل على شبه جزيرة القرم، وتسيطر على نحو 90% من إقليم دونباس، إضافة إلى 75% من منطقتي خيرسون وزابوريجيا. كما تمتد السيطرة الروسية إلى أجزاء من محيط خاركيف وسومي ودنيبروبتروفسك وميكولايف، وهي مناطق تُعد حيوية لأي توسع مستقبلي للمنطقة العازلة التي تسعى موسكو لترسيخها.
تصريحات بوتين أوحت بوضوح أن هذه الجبهات ليست نهائية، وأن المنطقة الأمنية العازلة قد تتسع جغرافيًا كلما طال أمد الحرب أو تعثرت التسوية السياسية، في رسالة ضغط مزدوجة موجهة إلى كييف والعواصم الغربية.
تناقض الروايات الميدانية ومعركة كوبيانسك
في الوقت الذي يؤكد فيه بوتين أن القوات الروسية “تتقدم على جميع الجبهات”، تعكس المعطيات الميدانية صورة أكثر تعقيدًا. فقد أقر وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف بمحاولات أوكرانية لاستعادة بلدة كوبيانسك شمال شرق البلاد، رغم تأكيده فشل هذه المحاولات.
في المقابل، أعلنت أوكرانيا سيطرتها على 90% من البلدة، التي كانت موسكو قد أعلنت السيطرة عليها في نوفمبر الماضي. هذا التباين في الروايات يسلط الضوء على هشاشة بعض أطراف المنطقة الأمنية العازلة التي تتحدث عنها روسيا، ويكشف أن ترسيخها ميدانيًا لا يزال يواجه تحديات فعلية.
الضغوط الدولية وسباق الزمن السياسي
تأتي تصريحات بوتين في مرحلة حساسة دوليًا، مع تصاعد الضغوط الأمريكية، خاصة من الرئيس دونالد ترامب، للدفع نحو اتفاق سلام سريع. إلا أن ربط موسكو أي تسوية بترسيخ المنطقة الأمنية العازلة يعقّد فرص التوصل إلى حل قريب، إذ ترى كييف وحلفاؤها في هذا الطرح تكريسًا لواقع احتلال دائم تحت مسمى أمني.
في هذا السياق، تبدو روسيا وكأنها تستخدم التقدم العسكري كورقة تفاوض، فيما تستخدم المنطقة الأمنية العازلة كإطار سياسي وأمني لإعادة تعريف أهداف الحرب أمام الداخل الروسي والخارج على حد سواء.
أوروبا في خطاب بوتين: “تهديد وهمي” واستعداد للمواجهة
على الصعيد الأوروبي، نفى بوتين وجود أي نية روسية لشن حرب ضد القارة، معتبرًا أن الحديث عن “تهديد روسي” ليس سوى دعاية متعمدة تبثها القيادات الأوروبية لإثارة الهستيريا. لكنه في الوقت نفسه أكد أن موسكو “مستعدة للحرب” إذا فُرضت عليها، ما يضع المنطقة الأمنية العازلة في أوكرانيا ضمن سياق أوسع من الصراع مع الغرب، لا يقتصر على كييف وحدها.
ما وراء المنطقة الأمنية العازلة
تحليل الخطاب الروسي يكشف أن المنطقة الأمنية العازلة ليست مجرد إجراء دفاعي، بل مشروع استراتيجي يهدف إلى: إبعاد أي تهديد عسكري غربي محتمل عن الحدود الروسية، وفرض واقع تفاوضي جديد يُجبر أوكرانيا على القبول بخسائر جغرافية، وإرسال رسالة ردع إلى أوروبا مفادها أن أمن روسيا غير قابل للمساومة.
في المحصلة، تعكس تصريحات بوتين مرحلة جديدة من الحرب، حيث تتحول المنطقة الأمنية العازلة من مصطلح عسكري إلى عنوان سياسي للصراع، يحدد مساره ومستقبله، ويجعل أي تسوية قادمة مشروطة بحدود القوة لا بإرادة السلام وحدها.
رويترز











