إن مجموعة المعايير (criterial) التي تعتمد على التقسيم النسبي للمناصب والثروات بين الطبقات، قد طُبقت في صياغة نظام المحاصصة لإرساء قواعد العملية السياسية في العراق والتي أبدع في إنشائها الحاكم الأمريكي بول بريمر.
وقد رسمت الخارطة السياسية العراقية مبينا عليها قوانين ومؤشرات المحاصصة الطائفية والمذهبية والمناطقية والتي صارت أصول العملية السياسية في الأنظمة المتعاقبة بعد 2003. حيث تم تشريع سلطة المؤقتة الائتلاف المؤقتة Coalition Provisional Authority (CPA) بموجب قرار مجلس الأمن الدولي المرقم (1483) في 21/4/2003، والذي خوّل الدول المحتلة (المتحالفة) قيادة الدولة العراقية بكافة مفاصلها السياسية والاقتصادية والأمنية وبموجب قوانين الحرب والاحتلال المتفق عليها في الأمم المتحدة.
وشُكلت لجنة لهذا الغرض باسم مكتب المساعدات الإنسانية وإعادة الاعمار Office of Reconstruction and Humanitarian Assistance وتم تعيين الجنرال الأمريكي (جي كارتر) مسؤولا عاما لهذه الهيئة، وما لبث أن تم استبعاده بعد شهرين من مهمته وذلك لفشله الإداري والسياسي والتنظيمي على كافة الأصعدة حيث استبدل بالأمريكي بول بريمر كحاكم مدني للعراق.
الفشل الأمريكي في العراق
ويقول جورج تنيت (George TeneT) مدير الاستخبارت المركزية الأمريكية ( CIA) للفترة 1996 - 2004، في مذكراته التي نشرت في كتابه "في قلب العاصفة" At the Center of the Storm: My Years at the CIA"، إن الولايات المتحدة الامريكية لم تكن تملك أي مخططات قيادية استراتيجية جاهزة لعراق ما بعد الاحتلال.
وحتى إن كانت تمتلك خططا وتوجهات سرية أو علنية فإنها فشلت بامتياز في إدارة الدولة العراقية وتهشيمها وتخريب مؤسستها مما جعل المشروع الأمريكي في العراق والمنطقة يفشل بالكامل .وهذا ناتج من فشل العقل الستراتيجي الامريكي في رسم ملامح وأفق الدولة العراقية الجديدة وعدم قدرة هذا العقل من التعامل بواقعية تامة مع القضايا الاوسطية المعقدة والمتداخلة بعضها البعض.
فأمريكا كانت تحلم بجعل العراق نموذجا مصغرا في المنطقة للدولة الأمريكية العظمى، وإذا به تحول إلى مثال مرعب ومخيف يذكرنا بماسي فلسطين وكابول وكهوف تورا بورا الأفغانية.
كانت واشنطن تعتقد بإمكانية تحويل العراق إلى الولاية 52 في العلم الأمريكي وإذا بها تبحث اليوم عمن بخلصها من الفشل العراقي الكارثي وما صرح الرئيس الأمريكي ترامب في 16 كانون الثاني 2017، خير دليل على فشل الإدارة الأمريكية في العراق، حيث أدان دونالد ترامب، قرار غزو العراق في عام 2003 واصفا إياه بأنه "قد يكون أسوأ قرار اتخذ في تاريخ الولايات المتحدة على الاطلاق.
وهذا كله ناتج من سلسلة أخطاء ستراتيجية كبرى ارتكبتها أمريكا مع بعض حلفائها داخل العراق لتصل الأمور برمتها إلى هذا المستوى الكارثي وعلى كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
المحاصصة.. بدعة أمريكية
إن نظام المحاصصة التي اصبحت من مرتكزات العملية السياسية في العراق ماهي إلا من إبداعات الإدارة الأمريكية، حين خطط بول بريمر على تشكيل مجلس الحكم العراقي في 13 تموز 2003. حيث رأت الولايات المتحدة الامريكية نفسها مجبرة على إيجاد شريك سياسي رمزي تحمله أخطاءها عند الضرورة وتستشيره في ضرورات أخرى. وعلى هذه الأرضية الهشة بني نظام المحاصصة.
إن المثلث السياسي الذي يشكل أضلاعه الثلاثة أطراف المحاصصة في العملية السياسية العراقية يحتوي على زاوية مهمة والتي يجب الإشارة إليها بخط عريض هي أن الدستور العراقي الذي يحتكم إليه السياسيون العراقيون، ويُنظر إليه كالمقياس الصحيح والبوصلة الحقيقية التي تحدد أطر الدولة وسياستها العامة، لاينص على أي نوع من المحاصصة الطائفية والقومية ولكن رسمت لنيل المصالح الشخصية وذلك للسيطرة على السلطة. ولكن هناك فجوة قد اوى إليها السياسيون، وهي الاحتكام إلى تعريفات القضاء التى تحتوي على الية قانونية وهي (قسمة الغرماء) لتعويض المتضررين أو توزيع أموال المدين على دائنيه.
إنهم قد يظنون بأنهم تضرروا سابقا، والآن حان الوقت أن يُتفادوا بما أصيبوا من الأضرار !!
سلبيات المحاصصة
وعن نظام المحاصصة وترسباتها السلبية، يرى هولباك Holbach (١٧٢٧-١٧٨٩) وهو فيلسوف ألماني-فرنسي، أن نظام المحاصصة الذي هو تقسيم المصالح بين الطبقات يدل على ضعف الدولة. ويذهب هولباك إلى أبعد موضحا بأن الإنسان خير بطبعه، وأن الشئ الذي يفسده ويحمله على الشر هو الحكومات.
ودعى الفيلسوف هولباك أرباب السلطة إلى احتضان التعليم والثقافة وجعلهما بؤرة الحكم، وذلك لتخطي المحاصصة حفاظا على سيادية وهيبة الدولة، مؤكدا أن الحاكم ما هو إلا مجرد وكيل الشعب، وأن ممارسته الصحيحة لأعباء الحكم تكون بالعمل على نشر التعليم والثقافة، وبذلك يكون حاكما صالحا.
إن ما يبرر صحة نظرة هولباك إلى نظام المحاصصة هو ما تتعرض لها العملية السياسية في العراق من الإخفاقات والعثرات بعد كل الانتخابات النيابية بعد 2003 من جراء نظام المحاصصة.
إن بروز الاختلافات والخلافات لم تقتصر بين الكتل السياسية الشيعية والسنية والكردية، بل امتدت الخلافات الحادة داخل الكتلة الواحدة. ولذا ظهرت الخلافات داخل الكتل السياسية الشيعية ونفس الزلزال ضرب الكتل السنية والكردية.
وبهذا النمط والنسق من الحكم، جُعل العراق حاضرة للدول العظمى والإقليمية لتحقيق مآربها من خلال انتهاك السيادة العراقية.










