حرب التشريعات الإسرائيلية لتهويد المسجد الأقصى .. دخلت مدينة القدس المحتلة في الثامن عشر من ديسمبر 2025 نفقاً جديداً من المواجهة السياسية والقانونية، مع كشف محافظة القدس (التابعة للسلطة الفلسطينية) عن مخاطر وجودية يحملها مشروع القانون الإسرائيلي الجديد الذي أقره "الكنيست" بالقراءة التمهيدية.
هذا القانون، الذي يحمل عنوان "تحقيق الهوية اليهودية في المجال العام"، لا يمثل مجرد إجراء تنظيمي داخلي، بل هو "لغم تشريعي" صُمم بدقة لتفجير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى المبارك، وتحويل ساحاته من وقف إسلامي خالص إلى "فضاء عام" متاح للطقوس التلمودية تحت حماية القانون.
تشريح "قانون الهوية اليهودية".. السم في العسل التشريعي
صوّت الكنيست الإسرائيلي بأغلبية 49 عضواً مقابل 35 لصالح مشروع القانون الذي يهدف -حسب ادعاء القائمين عليه- إلى "ضمان حرية التعبير عن الهوية الدينية اليهودية". ومع ذلك، فإن القراءة المتعمقة لبنود القانون تكشف عن أهداف توسعية خطيرة.
حرب التشريعات الإسرائيلية لتهويد المسجد الأقصى
ينص القانون على "تجريم أي تدخل في الممارسات الدينية في الأماكن العامة". في الظاهر، يبدو القانون كأنه يحمي الحريات الدينية، لكن في سياق مدينة القدس المحتلة، يهدف القانون إلى:
يكمن مكمن الخطر في اعتبار ساحات المسجد الأقصى "حيزاً عاماً" يخضع للقوانين الإسرائيلية المدنية، وليس لمبدأ السيادة الإسلامية والوقفية. هذا التغيير في التوصيف القانوني هو المدخل الفعلي لفرض التقسيم المكاني.
تحذيرات محافظة القدس.. صرخة في وجه التهويد
أصدرت محافظة القدس تصريحاً صحفياً شديد اللهجة، حذرت فيه من أن تطبيق هذا القانون يمثل "إعلان حرب" على الهوية الإسلامية للمدينة المقدسة.
وأكدت المحافظة أن المسجد الأقصى، بكامل مساحته البالغة 144 دونماً، هو مكان عبادة للمسلمين وحدهم بموجب القرارات الدولية والاتفاقيات التاريخية (بما في ذلك الوصاية الهاشمية).
و تطبيق القانون سيعني إلغاء "الستاتسكو" المعترف به دولياً، وتحويل الأقصى إلى ساحة مشتركة للأديان، وهو ما ترفضه المرجعيات الدينية والسياسية الفلسطينية جملة وتفصيلاً.
ونبهت المحافظة إلى أن القانون سيُستخدم لتجريم حراس المسجد الأقصى التابعين لدائرة الأوقاف الإسلامية و في حال حاول حارس منع مستوطن من أداء طقس ديني، سيتم اعتقال الحارس بتهمة "عرقلة ممارسة دينية في حيز عام"، مما يؤدي إلى إفراغ المسجد من حماته وترك الساحات مستباحة للجماعات المتطرفة.
الأبعاد القانونية والدولية.. خرق "جنيف الرابعة"
يعتبر القانون الدولي القدس مدينة محتلة، وبالتالي فإن كافة القوانين التي يسنها "الكنيست" لتغيير واقع المدينة هي قوانين باطلة ولاغية ولا تترتب عليها أي حقوق للاحتلال.
أصدرت منظمة اليونسكو عشرات القرارات التي تؤكد أن المسجد الأقصى هو تراث إسلامي خالص، واستخدمت مصطلح "المسجد الأقصى/ الحرم الشريف" حصراً كما ان القانون الجديد يضرب بعرض الحائط كافة هذه القرارات، ويحاول فرض "سيادة تشريعية" محلية تتحدى الإرادة الدولية، مما يتطلب تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي لوقف هذا التغول.
لا يمكن فصل هذا القانون عن الضغوط التي تمارسها "جماعات الهيكل" المتطرفة، التي ترى في ساحات الأقصى "جبل الهيكل" وبمجرد دخول هذا القانون حيز التنفيذ، ستصبح الاقتحامات التي تتم عبر "باب المغاربة" ليست مجرد جولات سياحية، بل "ممارسات دينية محمية بقوة القانون"هذا القانون سيشجع آلاف المستوطنين على اقتحام الأقصى بأداء شعائر علنية (مثل النفخ في البوق أو إدخال القرابين النباتية)، وهم يعلمون أن القانون الإسرائيلي سيحميهم ويعاقب من يعترضهم.
إن الهدف النهائي من وراء اعتبار الأقصى "حيزاً عاماً" هو الوصول إلى الحالة التي فُرضت في الحرم الإبراهيمي في الخليل و تخصيص ساعات محددة لليهود يمنع خلالها المسلمون من دخول الأقصى (وهو ما يحدث جزئياً الآن) و استقطاع أجزاء من الساحات (خاصة المنطقة الشرقية قرب باب الرحمة) لتكون مصليات دائمة للمستوطنين، بذريعة أنها "حيز عام" متاح للجميع.
نداء استغاثة للعالم العربي والإسلامي
دعت محافظة القدس الدول العربية والإسلامية، وخاصة منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية، إلى ضرورة التحرك واستخدام أوراق الضغط السياسية والاقتصادية لمنع إقرار القانون بالقراءتين الثانية والثالثة ودعم التحركات القانونية الفلسطينية في محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية لاعتبار هذا التشريع جزءاً من جريمة "الفصل العنصري".
الأقصى في مواجهة "الإبادة القانونية"
إن مشروع قانون "تحقيق الهوية اليهودية في المجال العام" هو أخطر أسلحة الاحتلال في عام 2025. إنه يحول الصراع من مواجهة عسكرية وميدانية إلى مواجهة تشريعية تهدف إلى "شرعنة" سلب الحقوق الإسلامية، وإذا مرّ هذا القانون، فإن المسجد الأقصى سيواجه واقعاً سيجعل من الدفاع عنه "جريمة" في نظر الاحتلال. لذا، فإن المعركة اليوم ليست معركة حراس المسجد وحدهم، بل هي معركة الأمة بأكملها لحماية ما تبقى من الوضع التاريخي لقبلة المسلمين الأولى.










