4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

أميرة النحال لـ "180 تحقيقات": غزة تواجه حرب استنزاف مبطنة تستهدف سلب الحياة في صمت

أميرة النحال لـ "180 تحقيقات": غزة تواجه حرب استنزاف مبطنة تستهدف سلب الحياة في صمت

بقلم: تصريح خاص
٢١ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
18 مشاهدة
د. اميرة النحال

د. اميرة النحال

أميرة النحال لـ "180 تحقيقات": غزة تواجه حرب استنزاف مبطنة تستهدف سلب الحياة في صمت

في منتصف عام 2024، ومع تراجع العمليات العسكرية الكبرى، خُيّل للبعض أن غزة تتجه نحو "هدوء نسبي"، لكن الواقع كان يشي بظهور نمط جديد وأكثر فتكاً من الحروب.


ملامح هذه المرحلة


في حديثها الخاص لموقع 180 تحقيقات، ترسم الدكتورة أميرة فؤاد النحال، الباحثة والكاتبة في الشأن السياسي، ملامح هذه المرحلة، واصفة إياها بـ "حرب الاستنزاف المبطنة" وهي حرب لا تعتمد على دوي الانفجارات فحسب، بل على تآكل النسيج الحيوي للمجتمع، وعلى رأسه النظام الصحي.

مفهوم "حرب الاستنزاف المبطنة" وعامل الزمن

تؤكد الدكتورة أميرة النحال أن غزة لم تشهد سلاماً حقيقياً بعد تراجع الغارات، بل دخلت في دوامة يمثل فيها عامل الزمن قوة تدميرية هائلة/ هذا النوع من الحروب يتسم بما يلي تآكل القدرات الأساسية و استهداف المؤسسات الحيوية (المستشفيات، البلديات، شبكات المياه) بشكل يجعلها تعجز عن أداء وظائفها تدريجياً والموت الصامت وغياب التغطية الإعلامية الضخمة مقارنة بالمجازر المباشرة، مما يجعل موت المرضى والجرحى يمر دون صخب دولي واستنزاف المجتمع المدني و تحويل تفاصيل الحياة اليومية (العلاج، الغذاء، التدفئة) إلى معارك شاقة ومستحيلة.

تشريح إسقاط النظام الصحي.. الموت بانتظار "التصفية"

لقد تحول النظام الصحي في غزة من رمز للتماسك الاجتماعي والبقاء قبل الحرب، إلى ساحة موت بطيء، وتستشهد النحال بالإعلان الصادم لـ منظمة الصحة العالمية حول وفاة أكثر من ألف مريض خلال الفترة من يوليو 2024 إلى نوفمبر 2025 بانتظار الإجلاء الطبي.

الانهيار المادي واللوجستي

لم يُقهر النظام الصحي بضربة واحدة، بل عبر سياسة "التفتيت التدريجي" منها التدمير الكلي والجزئي وخروج غالبية المستشفيات عن الخدمة أو تحولها إلى مراكز إسعاف أولية تفتقر لأدنى المقومات ونقص المعدات و تحول غياب الأدوية المنقذة للحياة والمستهلكات الطبية من أزمة طارئة إلى "قاعدة ثابتة" للتعامل اليومي.

آليات الإجلاء: القتل بـ "البيروقراطية السياسية"

وتوضح النحال أن الهدنة القائمة "على الورق" لم تفتح ممرات آمنة للمرضى، بل ظلت آليات الإجلاء مقيدة وبطيئة وتخضع لمعايير أمنية وسياسية صارمة وأداة للتصفية حيث يُترك آلاف المصابين بالسرطان والأمراض المزمنة لمواجهة "موت مهين" وهم ينتظرون تصاريح لا تأتي، مما يجعل التأخير قراراً سياسياً بالقتل.

"الاستعمار الحيوي".. عندما يمتزج المناخ بالحصار

في تحليل لافت، تربط الدكتورة أميرة النحال بين الأزمات المناخية والبيئية وبين الأزمة السياسية، حيث يتم "تسييس الطقس" ليصبح أداة عقابية إضافية منها العواصف والفيضانات في ظل تدمير البنية التحتية، تحولت الأمطار إلى عوامل قاتلة تفتك بالنازحين في المخيمات المتهالكة والبرد والجوع و نقص الوقود المستورد حال دون تشغيل المولدات أو توفير التدفئة، مما جعل "الهشاشة الإنسانية" تمتزج بالسياسات العقابية لإنتاج واقع يستنزف المجتمع طبياً واجتماعياً.

القنبلة الاجتماعية والتحولات العميقة



وتعد الأزمة الصحية، وفقاً للنحال، شرارة لتحولات هيكلية في بنية المجتمع الغزي، تبرز في نقطتين جوهريتين منها انحسار الثقة وتفكك الرابط الاجتماعي وانهيار الخدمات الصحية أدى إلى تآكل الثقة في المؤسسات الرسمية (سواء السلطة الفلسطينية أو الفصائل)، مما دفع المجتمع نحو واللامركزية الإجبارية و نشوء شبكات نجاة بديلة غير رسمية تعتمد على الجهد الفردي أو العائلي ونماذج النجاة الشخصية بدلاً من التضامن الجماعي، بات الفرد يبحث عن خلاصه الخاص، مما يهدد الرابط السياسي والاجتماعي الجامع.

 



استعمار الجسد بالموت

تصف النحال ما يحدث بأنه "استعمار للموت داخل الجسد". فالسياسة لم تعد تُمارس فقط في الميادين، بل في أمعاء المرضى وعروقهم التي تفتقر للدواء القوة المسيطرة وسعت دائرة الموت لتشمل "التأخير" و"المنع من العلاج" كأدوات قهر تهدف إلى تحطيم الإنسان من الداخل.

شهادة على انهيار منظومة الحياة

تختتم الدكتورة أميرة فؤاد النحال حديثها لـ 180 تحقيقات بالتأكيد على أن وفاة ألف مريض أثناء انتظار الإجلاء ليست مجرد رقم إحصائي، بل هي شهادة وفاة لمنظومة حياة كاملة. إن ما يحدث هو حرب سياسية منظمة ضد أسس الوجود الإنساني في غزة، حيث يُقصى المدنيون من معادلة الحياة اليومية وتتحول معاناتهم إلى ساحة موت تُستنزف دون ضجيج إعلامي.

يبقى قطاع غزة شاهداً على صمودٍ أسطوري أمام سياسات "الموت الصامت"، إن إنقاذ ما تبقى من رمق الحياة يتطلب وقفة دولية تتجاوز الإغاثة المؤقتة إلى كسر حصار الروح والجسد.

فغزة لا تحتاج لترميم جراحها فحسب، بل لاستعادة حقها في الكرامة، الصحة، والمستقبل، بعيداً عن معادلات الاستنزاف التي تستهدف إبادة الأمل.

تصريح خاص

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال