20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

"فخ الإغاثة" في قطاع غزة.. هل استنفدت أدوات إدارة الأزمة فاعليتها؟

إن هذا التحول وفق الأستاذ الدكتور سمير أبو مدلله عضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين، لم يعد مجرد ظرف عابر تفرضه الحروب أو الإغلاقات

بقلم: تصريح خاص
٢٨ مارس ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
7 مشاهدة
الأستاذ الدكتور سمير أبو مدلله

الأستاذ الدكتور سمير أبو مدلله

تُشكل الحالة الاقتصادية في قطاع غزة نموذجاً فريداً ومعقداً لما يمكن تسميته "اقتصاد إدارة الأزمات"، حيث لم تعد الدورة الاقتصادية تعمل وفق المحركات التقليدية للنمو أو الإنتاج، بل انحرفت مساراتها لتصبح مجرد أداة للاستجابة الطارئة ومحاولة البقاء على قيد الحياة.

 إن هذا التحول وفق الأستاذ الدكتور سمير أبو مدلله عضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين، لم يعد مجرد ظرف عابر تفرضه الحروب أو الإغلاقات، بل استحال إلى إطار حاكم وشامل للنشاط الاقتصادي والاجتماعي، حيث تراجعت أولويات الاستثمار والابتكار لصالح برامج الإغاثة والمساعدات الإنسانية العاجلة، مما خلق بيئة اقتصادية هشة تتسم بارتفاع معدلات عدم اليقين وتآكل تدريجي ومستمر لكل مقومات التعافي المستقبلي.

مفهوم اقتصاد إدارة الأزمة وتحولات البقاء

يشير الدكتور سمير أبو مدلله إلى أن مفهوم "اقتصاد إدارة الأزمة" يتجسد في نمط اقتصادي قسري يتكيف مع حالة عدم الاستقرار المزمنة، حيث تتركز كافة الجهود والموارد لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للسكان، وضمان استمرارية الحياة في أبسط صورها بعيداً عن طموحات التنمية المستدامة. وفي قطاع غزة، يتجلى هذا النموذج من خلال إعادة توجيه الموارد المحدودة نحو الاستهلاك الطارئ، في مقابل تراجع حاد ومخيف في الاستثمارات طويلة الأجل، وهو ما يعكس انتقالاً جذرياً في فلسفة الاقتصاد المحلي من "منطق التنمية" الذي يبني للمستقبل، إلى "منطق البقاء" الذي يحاول فقط عبور اليوم وتجاوز اللحظة الراهنة بكل أثقالها.

قراءة في الأرقام والمؤشرات الدولية الصادمة

إن البيانات الصادرة عن المؤسسات الدولية المرموقة تكشف عن عمق الهاوية التي وصل إليها الاقتصاد في قطاع غزة نتيجة هذا التحول الهيكلي، حيث تشير تقديرات برنامج الغذاء العالمي (WFP) إلى أن ما يقارب 77% من السكان يعانون فعلياً من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، وتزداد الصورة سوداوية عند النظر إلى تقارير البنك الدولي والتصنيف المرحلي للأمن الغذائي (IPC)، والتي تؤكد أن 96% من السكان يواجهون مستويات حادة من الجوع، مع وجود مئات الآلاف في مستويات كارثية تهدد الحياة بشكل مباشر هذا التدهور لم يتوقف عند حدود الغذاء، بل امتد ليشمل سوق العمل الذي شهد انهياراً غير مسبوق، حيث قفزت معدلات البطالة من 45% قبل الحرب لتلامس مستويات 80%، في ظل توقف شبه كامل للقطاع الزراعي وتدمير سلاسل الإمداد والإنتاج المحلي.

الانعكاسات البنيوية وتآكل النسيج الاجتماعي

يوضح الدكتور سمير أبو مدلله أن ترسيخ هذا النمط الاقتصادي لا ينعكس فقط في الأرقام، بل يمتد ليعيد تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية للقطاع بشكل خطير، ويمكن رصد ذلك في أربعة مستويات أساسية. أولاً، تعميق التبعية الاقتصادية للخارج، حيث بات الاقتصاد يعتمد بشكل شبه كلي على التدفقات الإغاثية بدلاً من الإنتاج الذاتي. ثانياً، تآكل الطبقة الوسطى التي كانت تشكل صمام أمان المجتمع، نتيجة انهيار الدخول المستقرة واتساع رقعة الفقر المدقع، ثالثاً، انكماش الحوافز الاستثمارية بالكامل بسبب المخاطر الجيوسياسية المرتفعة. وأخيراً، إعادة إنتاج "الفقر متعدد الأبعاد"، حيث تتحول المساعدات من وسيلة لإنقاذ الناس في وقت المحنة إلى عنصر دائم ومحوري في الدورة الاقتصادية اليومية، وهو ما نطلق عليه "فخ الإغاثة".

استراتيجيات الخروج من دائرة الانهيار

إن الخروج من شرنقة اقتصاد إدارة الأزمة يتطلب، وفق رؤية الدكتور سمير أبو مدلله، تبني مقاربة شمولية تتجاوز مجرد تقديم الطرود الغذائية، لتركز على إعادة تفعيل القطاعات الإنتاجية المعطلة، وعلى رأسها قطاع الزراعة والصناعات الخفيفة، يجب العمل على تحويل المساعدات الدولية من أدوات استهلاكية إلى أدوات تنموية من خلال ربطها ببرامج التشغيل والإنتاج ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي أثبتت قدرة عالية على التكيف مع الأزمات. كما يشدد الدكتور على أن أي تعافٍ حقيقي يظل مرهوناً بتخفيف القيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع، لأن استمرار هذه القيود يفرغ أي تدخل اقتصادي من مضمونه التنموي ويجعل المجتمع رهينة لدورات متكررة من الانهيار والاستجابة الطارئة.

المسؤولية الداخلية وإدارة الموارد بعدالة

بالتوازي مع العوامل الخارجية والضغوط الدولية، يؤكد الدكتور سمير أبو مدلله على عاتق الجهات المسؤولة داخل قطاع غزة مسؤولية كبرى في تخفيف حدة الأزمة، وذلك عبر انتهاج سياسات اقتصادية تتسم بالكفاءة والعدالة الاجتماعية، ويتضمن ذلك تعزيز الرقابة الصارمة على الأسواق لمنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار التي تنهك المواطن، وإعادة النظر في المنظومة الضريبية والرسوم بما يتناسب مع القدرة الشرائية المتآكلة للسكان، إن تعزيز الشفافية في إدارة الموارد المتاحة وتسهيل بيئة الأعمال للمبادرين والشباب يمكن أن يساهم بفعالية في استعادة قدر من التوازن المفقود، مما يعزز صمود المجتمع في وجه التحديات الوجودية التي يفرضها واقع اقتصاد البقاء.

تصريح خاص

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال