ارتكب الاحتلال في لبنان منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل في 27 نوفمبر 2024 ارتكبت الأخيرة آلاف الخروقات، مما أسفر عن مقتل 335 لبنانيا وإصابة 973 آخرين، إلى جانب دمار مادي.
وكان يُفترص أن ينهي الاتفاق عدوانا شنته إسرائيل على لبنان في أكتوبر 2023، تحول إلى حرب شاملة في سبتمبر 2024 خلفت أكثر من 4 آلاف قتيل وما يزيد على 17 ألف جريح.
وتتحدى إسرائيل الاتفاق بمواصلة احتلالها 5 تلال لبنانية في الجنوب استولت عليها في الحرب الأخيرة، إضافة إلى مناطق لبنانية أخرى تحتلها منذ عقود.
الجيش اللبناني يستعد
أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن الجيش اللبناني يستعد للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح، والتي تشمل المنطقة الممتدة بين ضفتي نهر الليطاني جنوبًا ونهر الأولي شمالًا.
وأوضح سلام في حديث لصحيفة الشرق الأوسط أن الخطة ستتدرج على مراحل، حيث تخصص المرحلة الثالثة لمدينة بيروت وجبل لبنان، تليها المرحلة الرابعة في منطقة البقاع، ثم تشمل لاحقًا باقي المناطق اللبنانية.
وأشار سلام إلى أن المؤسسة العسكرية نجحت في بسط سلطة الدولة الكاملة على المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وصولًا إلى الحدود الجنوبية، باستثناء النقاط التي لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، مؤكدًا أن انسحاب إسرائيل من هذه النقاط يجب أن يحصل دون أي تأخير.
لبنان ولحظة دقيقة
الكاتب والمحلل السياسي عمر محمد العرب يقول أن لبنان يقف اليوم في لحظة دقيقة تتشابك فيها العوامل الأمنية والسياسية والإقليمية، في ظل اختراقات إسرائيلية متواصلة لا يمكن التقليل من خطورتها، ولا المبالغة في توصيفها كمدخل حتمي إلى حرب شاملة.
ويؤكد العرب لـ" 180 تحقيقات"، أن ما يجري على الساحة اللبنانية، وخصوصًا في الجنوب، هو إدارة صراع ضمن هوامش محسوبة، حيث يسعى الاحتلال إلى إبقاء لبنان تحت ضغط دائم، فيما تحاول الدولة اللبنانية منع الانزلاق إلى مواجهة واسعة لا تخدم الاستقرار الداخلي ولا توازنات المنطقة.
استنزاف لبنان
الاختراقات الإسرائيلية تشكّل رسالة ضغط أكثر مما تشكّل قرارًا بالحرب، وهي تهدف إلى استنزاف لبنان سياسيًا ونفسيًا، واختبار حدود الردع القائمة. وفي المقابل، يُلاحظ أن الساحة الجنوبية لا تزال مضبوطة بإيقاع دقيق، يعكس حرصًا على تثبيت قواعد الاشتباك ومنع فرض وقائع جديدة بالقوة، مع إدراك لبناني واضح بأن أي خطأ في الحساب قد يكون مكلفًا على مستوى الدولة ككل.
وعلق المحلل السياسي اللبناني على الدعوات المتصاعدة لنزع السلاح من حزب الله وحصره بيد الدولة، فلا يمكن مقاربتها بمعزل عن السياق الذي تُطرح فيه. من حيث المبدأ، لا خلاف على أن الدولة القوية هي التي تحتكر قرار السلم والحرب، لكن الواقع الحالي يُظهر فجوة واضحة بين هذا المبدأ وبين الإمكانات الفعلية المتاحة للدولة اللبنانية. طرح نزع السلاح في ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، وغياب ضمانات دولية جدية تحمي لبنان، يبدو طرحًا يتجاوز الأسباب ويقف عند النتائج.
المسألة سياسية بامتياز
المسألة ليست تقنية ولا قانونية فحسب، بل سياسية وأمنية بامتياز، وتتطلب مسارًا وطنيًا جامعًا يُبنى على الثقة والضمانات، لا على الضغوط والإملاءات. فالدولة لا تُقوّى عبر نزع عناصر القوة في لحظة ضعف، بل عبر بناء قدراتها وتحصين قرارها السيادي أولًا.
وأشار العرب أن الحديث عن نهاية المقاومة اللبنانية في حال نزع السلاح، فيتجاهل جوهر هذه الظاهرة. المقاومة ليست مجرد سلاح يمكن نزعه بقرار، بل هي نتاج واقع قائم فرضه الاحتلال والتهديد المستمر. نزع السلاح دون معالجة الأسباب الجذرية للصراع لا ينهي المقاومة، بل قد يدفعها إلى التحوّل إلى أشكال أخرى أقل انضباطًا وأكثر خطورة.
لبنان في مرحلة إدارة المخاطر
عندما يصبح لبنان محميًا فعليًا ضمن دولة قادرة على الدفاع عن أرضها وشعبها وحدودها، وعندما تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية ويزول التهديد، عندها فقط يمكن الحديث عن انتقال طبيعي ومنظّم لكل عناصر القوة إلى كنف الدولة، دون صدام داخلي ودون فراغ أمني.
لبنان اليوم لا يعيش لحظة انهيار، بل مرحلة إدارة مخاطر، حيث المطلوب عقل بارد وقراءة واقعية، بعيدًا عن الشعارات والانفعالات. إنه مشهد توازن حذر، لا يحتمل المغامرة، ولا يسمح بتجاهل الحقائق القائمة، في انتظار تسويات إقليمية أوسع ستنعكس حتمًا على الداخل اللبناني.










