خلال زيارته إلى كيان الاحتلال، أطلق عضو مجلس الشيوخ الأمريكي ليندسي جراهام اتهامات مباشرة لحركتي حماس وحزب الله بإعادة تسليح نفسيهما، في خطاب يعكس تبنيًا كاملًا للرواية الأمنية الإسرائيلية، ويتجاهل في الوقت ذاته واقع الخروقات الإسرائيلية المستمرة لاتفاقات وقف إطلاق النار، سواء في قطاع غزة أو على الجبهة اللبنانية.
ليندسي جراهام لم يقدّم أي أدلة جديدة، لكنه أعاد إنتاج سردية تعتبر أن أي بقاء للمقاومة، سياسيًا أو عسكريًا، يمثل تهديدًا بحد ذاته، متجاهلًا السياق الأوسع المتعلق بالاحتلال، والحصار، واستمرار العدوان الإسرائيلي، حتى بعد الإعلان الرسمي عن التهدئة.
وقف نار بلا التزام
دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر الماضي، بعد عامين من حرب مدمرة على قطاع غزة، خلّفت عشرات آلاف الشهداء والجرحى، ودمارًا واسعًا في البنية التحتية. ورغم الاتفاق، لم تتوقف الاتهامات المتبادلة، إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى استمرار الاستهداف الإسرائيلي للمدنيين.
وفي أحدث الخروقات، أعلن مصدر في الإسعاف والطوارئ ب غزة ، اليوم الإثنين، استشهاد مواطنين اثنين بنيران جيش الاحتلال داخل مناطق انتشاره في حي الشجاعية شرقي المدينة.
وتمكنت الطواقم الطبية، من انتشال جثمان الشهيد عماد الميدنة من مفترق حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، في إطار جهود الإسعاف والإنقاذ المستمرة للتعامل مع ضحايا القصف والهجمات في القطاع. وذكرت مصادر محلية، استشهاد مواطن ثاني برصاص قوات الاحتلال قرب محكمة الشجاعية شرقي مدينة غزة.
وارتفعت حصيلة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة لتصل إلى 70,937 شهيدا و171,192 مصابا، في ظل استمرار التصعيد العسكري وما يرافقه من معاناة إنسانية واسعة بين السكان المدنيين في القطاع، بحسب بيانات وزارة الصحة في القطاع.
وصباح اليوم، أطلقت آليات الجيش الإسرائيلي، نيرانها على مناطق جنوب شرق مدينة دير البلح في قطاع غزة. وفي الوقت ذاته، تقوم طائرات مروحية بين الفينة والأخرى بإطلاق نيران رشاشاتها صوب المناطق الشرقية من حي التفاح شرقي مدينة غزة، ما يزيد من التوتر وتصاعد المخاطر على النازحين في المنطقة.
في المقابل، دعت حركة حماس الوسطاء وواشنطن إلى وقف ما وصفته بـ«الانتهاكات الإسرائيلية» المتواصلة، معتبرة أن الحديث عن نزع السلاح يتجاهل حقيقة أن الاحتلال ما زال قائمًا، وأن العدوان لم يتوقف.
الجبهة اللبنانية مفتوحة
على الجبهة الشمالية، دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله حيّز التنفيذ في نوفمبر 2024، بعد نحو عام من مواجهة مفتوحة. ورغم ذلك، تواصل إسرائيل شنّ غارات على الأراضي اللبنانية، في خرق واضح للاتفاق، دون أن تواجه أي ضغط دولي حقيقي.
ليندسي جراهام زعم أن «حزب الله» يسعى إلى إعادة تسليح نفسه، واعتبر ذلك «غير مقبول»، في موقف ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية التي ترى في سلاح المقاومة تهديدًا وجوديًا، بينما تتجاهل الاحتلال المستمر لأراضٍ لبنانية، والخروقات الجوية والبرية اليومية.
ليندسي جراهام ونزع السلاح.. "ببغاء" أمريكي معتاد
تصرّ إسرائيل على أن نزع سلاح حماس وحزب الله، باعتبارهما حليفين لإيران، شرط أساسي لأي سلام دائم. غير أن هذا الطرح يُستخدم، وفق مراقبين، كأداة سياسية لتأجيل أي استحقاق حقيقي يتعلق بإنهاء الاحتلال، أو الانسحاب من الأراضي المحتلة.
وفي بيان متلفز صادر عن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، قال ليندسي جراهام: «لديّ انطباع بأن حماس لا تعمل على نزع سلاحها، بل تُعيد تسليح نفسها»، مضيفًا أنها «تحاول تعزيز حكمها ولن تتخلّى عنه في غزة». وهي تصريحات قوبلت بتأييد فوري من نتنياهو الذي ردّ قائلًا: «أنت على حق في الحالتين»، واصفًا جراهام بـ«الصديق العظيم لإسرائيل».
هذا التماهي العلني يعكس طبيعة الدور الأمريكي، ليس كوسيط، بل كطرف منحاز، يعيد تدوير المواقف الإسرائيلية داخل المؤسسات السياسية الأمريكية.
ليندسي جراهام والوسطاء والمرحلة الثانية
جاءت تصريحات ليندسي جراهام بعد يوم واحد فقط من دعوة الوسطاء، وهم الولايات المتحدة وقطر ومصر وتركيا، إسرائيل و«حماس» إلى الالتزام بوقف إطلاق النار. ويضغط هؤلاء للانتقال إلى المرحلة الثانية من الهدنة، التي تشمل انسحابًا إسرائيليًا من غزة، وإنشاء سلطة مؤقتة لإدارة القطاع بدلًا من «حماس»، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار.
وتتضمن هذه المرحلة أيضًا نزع السلاح من غزة، بما في ذلك سلاح المقاومة، وهو بند تراه فصائل فلسطينية محاولة لتصفية جوهر القضية، وتحويل التهدئة إلى أداة لإعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية بصيغة مختلفة.
لبنان بين التعهد والشك
في لبنان، أعلنت الحكومة نيتها نزع سلاح حزب الله بدءًا من جنوب البلاد، إلا أن إسرائيل تشكك علنًا في قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ ذلك، في حين يكرر الحزب رفضه التخلي عن سلاحه، معتبرًا إياه عنصر ردع في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة.
هذا التناقض يعكس مأزقًا بنيويًا في الطرح الإسرائيلي–الأمريكي: المطالبة بنزع سلاح المقاومة دون تقديم أي ضمانات سياسية أو أمنية، ودون معالجة جذور الصراع، وفي مقدمتها الاحتلال والاعتداءات المتكررة.
في المحصلة، تكشف تصريحات ليندسي جراهام عن استمرار توظيف ملف «نزع السلاح» كغطاء سياسي لإدامة الضغط على غزة ولبنان، وتبرير الخروقات الإسرائيلية المتواصلة. وبينما يُطالب طرف واحد بالالتزام الكامل، تُمنح إسرائيل هامشًا مفتوحًا للقتل والقصف، في مشهد يعكس اختلال ميزان العدالة، لا ميزان القوة فقط.







