4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

إعادة إعمار غزة يتحول لملف أمني معقد بفعل التعقيدات الإسرائيلية والمواطن يموت بردا وجوعا

الحديث عن إعادة إعمار غزة يبدو طبيعيا وخصوصا بعد إعلان وقف الحرب في العاشر من أكتوبر 2025 بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة حماس والاحتلال الإسرائيلي

بقلم: سماح عثمان
٢٣ ديسمبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
19 مشاهدة
إعادة إعمار غزة

إعادة إعمار غزة

الحديث عن إعادة إعمار غزة يبدو طبيعيا وخصوصا بعد إعلان وقف الحرب في العاشر من أكتوبر 2025 بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة حماس والاحتلال الإسرائيلي، بوساطة مصرية وقطرية وتركية ورعاية أمريكية، توقفت بموجبها العمليات العسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة. ومع بدء سريان المرحلة الأولى من الاتفاق التي تضمنت تبادل الأسرى وعودة النازحين، لم يجدوا مايعودوا إليه في ظل منازل مدمرة وبنية تحتية منعدمة لذلك لابد من الإسراع في إعادة إعمار غزة.

وتبدو إعادة الإعمار عنوانًا مركزيًا شديد التعقيد، ليس بسبب نقص التمويل أو غياب المبادرات السياسية، بل بفعل منظومة قيود إسرائيلية متشابكة تحول الإعمار إلى ملف أمني بامتياز.

وتتذرع إسرائيل بتوسيع ملف تصنيف المواد مزدوجة الاستخدام، وربط إدخالها بشروط أمنية وسياسية. وبين اشتراطات الاحتلال وضغوط الواقع الإنساني، يقف القطاع أمام وعود إعادة إعمار مؤجلة ومشروطة ومفتوحة على احتمالات التعطيل أكثر من فُرص النهوض.

نقاشات إعادة إعمار غزة

وبحسب معطيات موثوقة اطلعت عليها أطراف مشاركة في نقاشات إعمار القطاع، فإن العقدة المركزية اليوم لا تتعلق بالتمويل أو حتى بالترتيبات السياسية العامة، بل بما تُصِرُّ إسرائيل على تصنيفه مواد ومُعدَّات مزدوجة الاستخدام.

والتصنيف الذي يبدو تقنيًا في ظاهره، يحمل في جوهره أبعادًا سياسية وأمنية عميقة، لأنه يضع مُعظم أدوات الإعمار الأساسية تحت رقابة أمنية إسرائيلية مشددة وغير مضمونة النتائج.

ولا يتوقف الأمر عند البناء فقط، بل يمتد إلى قطاعات الطاقة والمياه والخدمات الأساسية، ومولدات الكهرباء والألواح الشمسية، والبطاريات الصناعية، والمُحولات، والكابلات السميكة، ومُعدَّات شبكات المياه والصرف الصحي، كلها خاضعة لهذا التصنيف، والنتيجة أن أيَّ مشروع إعمار في القطاع، حتى لو توفرت له الأموال والغطاء الدولي يبقى رهينة موافقات أمنية معقدة ومتغيرة للاحتلال.

شروط تعجيزية أمام إعادة إعمار غزة

وتشير التجربة السابقة في غزة بعد كل جولة حرب إلى نمط متكرر للاحتلال، حيث يسمح بدخول بعض المواد بكميات محدودة، لا تكفي لإطلاق عملية إعمارٍ شاملة، بل تفرض إدارة أزمة طويلة الأمد، وهذا يجعل الحديث عن إعادة إعمار حقيقية مشروطًا بقرارات جيش الاحتلال الإسرائيلي، لا بحاجات السكان ولا بخطط المانحين.

وبحسب مصدر مطلع على خطط الإعداد لإعمار القطاع، فإنّ أيّ نقاش جدي حول مستقبل قطاع غزة بعد الحرب، لا يمكن أن يتجاهل القيود الإسرائيلية التي تحولت عبر السنوات من إجراءات أمنية استثنائية إلى منظومة دائمة تتحكم في شكل وحجم ونطاق أيّ عملية إعمار محتملة.

سياسيًا، تربط الحكومة الإسرائيلية هذا الملف بشروط إضافية، أبرزها مسألة سلاح حركة حماس. فتصريحات وزير الخارجية جدعون ساعر واضحة في هذا السياق، حين جعل إعادة الإعمار مشروطة بنزع السلاح، وهذا الشرط تحديدًا. تعرف إسرائيل مسبقًا مدى تعقيده واستحالته في المدى المنظور.

في المقابل، تطالب حركة حماس الوسطاء بالضغط لبدء إعمار فعلي، معتبرة أن القيود والتصعيد يعكسان رغبة إسرائيل في إبقاء غزة في حالة هشاشة دائمة. وبين هذين الموقفين، يبقى المدني الغزي هو الخاسر الأكبر.

غياب النية الإسرائيلية

وقالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحـتلة فرانشيسكا ألبانيزي إنّ ما يوصف بوقف إطلاق النار في غزة “غير موجود أساساً”، واعتبرت أنّ ما يجري هو إبـادة جـماعية مستمرة بوسائل أخرى، في ظل غياب أي نية “إسرائيلية” للتخلي عن السيطرة على القطاع، وبتـواطؤ حكومات دولية توفر غطاءً سياسياً لذلك، وأنّ ما سُوِّق عالمياً كخطة سلام لا يتجاوز كونه ذريعة لوقف الضغط الدولي والانخراط الحقيقي مع غزة.

يستعرض هذا التقرير الجوانب المتعددة للإبادة المستمرة على قطاع غزة، التي لا يمكن النظر إليها كانتهاكات لوقف إطلاق النار، وإنما كسياسة شاملة تسعى لتحقيق هدفي الإبادة والتهجير. وهما الهدفان اللذان رافقا حرب الإبادة من يومها الأول، مع الأخذ بعين الاعتبار التصريحات المتواترة لعدد من قادة الاحتلال المهددة بعودة الحرب من جديد.

وإذا ما أسقطنا تلك الاتفاقية وبنودها على الوقائع في قطاع غزة، فإننا نجدها تتطابق مع عدد منها، كاستمرار الحصار ومنع الغذاء والدواء، ما يندرج في إطار “فرض ظروف معيشية قاتلة”. وكذلك التهجير القسري الواسع، الذي ما زال واقعاً متصاعداً في غزة، فإنه يصنف كجريمة حرب وقد يدخل في إطار الإبادة. كما أنّ استهداف البنية التحتية المدنية والمساكن وغيرها، وإعاقة إعادة إعمارها، يجعل الحياة منعدمة الأساس.

وبحسب الطبيب منير البرش فإن قطاع غزة يعاني من الانهيار الصحي بعد حرب الإبادة ووقف إطلاق النار، حيث إنّ 54% من الأدوية الأساسية غير متوفرة لدى وزارة الصحة، و40% من أدوية الطوارئ صفرية، وهناك عجز صفري في المستلزمات الطبية بنسبة 71% وهي الأعلى في تاريخ قطاع غزة. وهو ما أدى إلى زيادة عدد الوفيات التي كان من الممكن تفاديها لو توفر العلاج الأساسي مثل المضادات الحيوية أو غسيل الكلى، بالإضافة لانتشار الأمراض المعدية بين النازحين خاصة في ظل الاكتظاظ البشري بالمخيمات ومراكز الإيواء، فضلاً عن انتشار أكوام النفايات والصرف الصحي في الشوارع.

أما البنية التحتية فقد دمر جيش الاحتلال المستشفيات والقطاع الطبي بالكامل كما دمر المنظمة التعليمية والمرافق كالكهرباء والغاز ومحطات المياه لم يترك شيئا على الأرض إلا ودمره كليا، كما هدم جيش الاحتلال الإسرائيلي 90% من البنية التحتية المدنية، أخرج فيها 38 مستشفى وعشرات المراكز الصحية وسيارات الإسعاف عن الخدمة، ودمر 670 مدرسة و165 مرفق جامعي ومعهد تعليم عالي، كما دمر معظم القطاعات الحيوية في قطاع غزة التي بلغت خسائرها الأولية 70 مليار دولار.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال