20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

كاتس: الجيش لن ينسحب من غزة ولن نغادرها أبدًا

تأتي تصريحات وزير الحرب الصهيوني يسرائيل كاتس بشأن عدم الانسحاب الكامل من قطاع غزة في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية

بقلم: شيماء مصطفى
٢٣ ديسمبر ٢٠٢٥
4 دقائق قراءة
17 مشاهدة
كاتس: الجيش لن ينسحب من غزة

كاتس: الجيش لن ينسحب من غزة

تأتي تصريحات وزير الحرب الصهيوني يسرائيل كاتس بشأن عدم الانسحاب الكامل من قطاع غزة في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، تعكس عمق التحوّل الذي طرأ على مقاربة الاحتلال تجاه غزة بعد السابع من أكتوبر 2023. فمنذ ذلك التاريخ، لم تعد غزة تُعامل في الخطاب الإسرائيلي بوصفها ساحة مواجهة عسكرية مؤقتة، بل تحوّلت إلى مساحة يُعاد تعريفها أمنيًا وسياسيًا ضمن مشروع طويل الأمد.

وفي هذا السياق، تشكّل غزة محورًا مركزيًا في النقاش الإسرائيلي الداخلي، بين التزامات دولية وضغوط أمريكية من جهة، وصعود تيار يميني متطرف يدفع باتجاه تكريس السيطرة الدائمة من جهة أخرى، ما يجعل تصريحات كاتس مؤشرًا على اتجاهات أعمق من مجرد موقف شخصي أو ظرفي.

غزة كمنطقة أمنية دائمة في العقيدة الصهيونية الجديدة

إصرار كاتس على أن جيش الاحتلال «لن يغادر غزة بأكملها أبدًا» يعكس تحوّلًا واضحًا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، حيث تُطرح غزة بوصفها منطقة عازلة دائمة لا يجوز التخلي عنها. هذا الخطاب يتجاوز منطق الردع المؤقت إلى منطق السيطرة المستمرة، تحت ذريعة منع تكرار الهجوم الذي وقع في أكتوبر 2023.
وبهذا المعنى، تتحول غزة في التصور الإسرائيلي من إقليم محاصر إلى مساحة احتلال فعلي طويل الأمد، تُدار أمنيًا وعسكريًا، مع السعي لخلق بنى ميدانية جديدة تضمن بقاء الجيش وتدخله المباشر متى شاء، وهو ما ينسف عمليًا أي حديث سابق عن انسحاب كامل أو سيادة فلسطينية حقيقية على القطاع.

التناقض بين اتفاقات السلام المعلنة والواقع الميداني في غزة

تصريحات كاتس تضع علامات استفهام كبيرة حول مصداقية الالتزامات الإسرائيلية الواردة في خطط السلام المدعومة أمريكيًا، والتي تنص على انسحاب تدريجي كامل من غزة وعدم إعادة إنشاء مستوطنات فيها. فبينما تؤكد الوثائق السياسية هذه المبادئ، يكشف الخطاب العسكري والسياسي الإسرائيلي عن مسار مغاير، يقوم على إعادة إنتاج الوجود العسكري بأشكال جديدة. هذا التناقض يعكس فجوة متزايدة بين الخطاب الدبلوماسي الموجه للخارج، والسياسات الفعلية على الأرض، حيث تُستخدم الاعتبارات الأمنية كذريعة دائمة لتجاوز أي التزام سياسي، بما يحوّل الاتفاقات إلى أوراق مؤجلة بلا أفق زمني واضح.

وحدات ناحال وغزة كأداة لإعادة هندسة السيطرة

إشارة كاتس إلى تشكيل وحدات «ناحال» في شمال غزة بدلًا من المجتمعات الإسرائيلية التي أُخليت عام 2005 تحمل دلالات خطيرة تتجاوز البعد العسكري. تاريخيًا، لعبت هذه الوحدات دورًا أساسيًا في تمهيد الطريق لبناء المستوطنات عبر الدمج بين النشاط العسكري والاستيطاني. وعليه، فإن طرح هذا النموذج في غزة يوحي بمحاولة التفاف ذكي على التصريحات الرسمية التي تنفي نية إقامة مستوطنات، عبر خلق وجود عسكري مدني طويل الأمد يؤدي عمليًا إلى تكريس السيطرة وتغيير الواقع الديمغرافي والأمني تدريجيًا، دون إعلان صريح عن عودة الاستيطان.

الاحتلال في غزة
 

غزة والانتخابات الإسرائيلية وصعود خطاب السيادة

لا يمكن فصل تصريحات كاتس عن السياق السياسي الداخلي في إسرائيل، خاصة مع اقتراب انتخابات عام 2026. فغزة باتت ورقة مركزية في المزايدات السياسية، حيث يسعى قادة اليمين إلى الظهور بمظهر الحازم الذي لا يتنازل عن «الأمن» و«السيادة». وفي هذا الإطار، يتقاطع خطاب كاتس حول غزة مع خطابه في الضفة الغربية، حيث أعلن عن توسيع الاستيطان واعتبر حكومة نتنياهو «حكومة مستوطنات». هذا الربط يكشف أن غزة والضفة تُداران ضمن رؤية واحدة تقوم على فرض الأمر الواقع، وتوسيع مفهوم السيادة العملية على حساب القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني.

غزة بين ذرائع الأمن ومآلات الاحتلال الطويل

في المحصلة، تعكس تصريحات كاتس توجّهًا إسرائيليًا متصاعدًا نحو تكريس احتلال طويل الأمد لقطاع غزة، مغلّف بخطاب أمني يبرر كل أشكال البقاء العسكري. هذا التوجّه لا يهدد فقط فرص أي تسوية سياسية مستقبلية، بل ينذر بإعادة إنتاج دائرة مفتوحة من العنف وعدم الاستقرار، حيث تُدار غزة بوصفها ساحة أمنية دائمة لا كأرض لشعب له حقوق. ومع استمرار هذا المسار، تبدو غزة مرشحة لأن تتحول إلى نموذج جديد للاحتلال غير المُعلن، حيث تُلغى الحدود بين الانسحاب والوجود، ويُعاد تعريف السيطرة بأدوات أكثر قسوة ومرونة في آن واحد.

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال