تضع تطورات الوضع الأمني في السويداء جنوب سوريا البلاد مجددًا أمام اختبار هشّ لاستقرارها، في وقت تتقاطع فيه الحسابات المحلية مع التأثيرات الإقليمية، وتُطرح تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت سوريا تمتلك فعلًا مقومات التعافي أم أنها تنزلق نحو إعادة إنتاج أزمات مركبة بأدوات جديدة وعناوين مختلفة. فالتصعيد الأخير، الذي شهد استخدام الطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، يعكس تحوّلًا خطيرًا في طبيعة الصراع داخل المحافظة، ويكشف عن تصدّعات أمنية وسياسية ما زالت عصيّة على الاحتواء.
تطورات الوضع الأمني في السويداء وتصاعد العنف المنظم
شهد الوضع الأمني في السويداء تصعيدًا لافتًا بعد مقتل عنصرين من قوى الأمن الداخلي جراء استهدافهم بطائرة مسيّرة في قرية ريمة حازم بريف السويداء الغربي، في هجوم تزامن مع قصف بقذائف الهاون نفذته ميليشيا ما يُسمّى “الحرس الوطني”. هذا التطور لم يكن حدثًا معزولًا، بل جاء ضمن سلسلة من الاشتباكات المتبادلة التي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين، إضافة إلى إصابة مدنيين، ما يعكس اتساع دائرة الخطر وتحول الاشتباكات إلى تهديد مباشر للنسيج الاجتماعي والأمن الأهلي في المحافظة.

الطائرات المسيّرة كأداة صراع جديدة في السويداء
استخدام الطائرات المسيّرة المفخخة في استهداف سيارات ونقاط الأمن الداخلي يمثل نقلة نوعية في الوضع الأمني في السويداء، إذ يشير إلى امتلاك الفصائل المحلية أدوات عسكرية أكثر تطورًا، وقدرة على تجاوز الخطوط التقليدية للاشتباك. هذا التحول يثير مخاوف من انزلاق المحافظة إلى نمط صراع مفتوح منخفض الكثافة لكنه عالي الخطورة، حيث تصبح الضربات المفاجئة والاغتيالات وسيلة ضغط دائمة، بما يهدد أي مساعٍ للتهدئة أو إعادة الاستقرار.
اتفاق وقف إطلاق النار بين الالتزام الرسمي والخرق الميداني
منذ إقرار اتفاق وقف إطلاق النار في تموز الماضي عقب الاشتباكات الدامية بين العشائر البدوية والدروز، بدا أن الدولة السورية تحاول تثبيت معادلة تهدئة عبر الالتزام بالاتفاق وتسهيل الإجلاء ودخول المساعدات الإنسانية. غير أن تكرار الخروقات من قبل ميليشيا “الحرس الوطني” أعاد الوضع الأمني في السويداء إلى نقطة الصفر، كاشفًا عن فجوة بين التفاهمات السياسية والواقع الميداني، وعن عجز الاتفاقات غير المصحوبة بتفكيك السلاح وضبط الفصائل عن تحقيق استقرار مستدام.
تشكيل الحرس الوطني وإشكالية السلطة الموازية
إعلان اندماج نحو 30 فصيلاً مسلحًا ضمن كيان واحد تحت مسمى “الحرس الوطني في السويداء” مثّل محطة مفصلية في تعقيد الوضع الأمني في السويداء. فالتشكيل الجديد، الذي أعلن ولاءه المطلق للشيخ حكمت الهجري، أسّس فعليًا لسلطة أمنية موازية، تنازع الدولة احتكارها لاستخدام القوة. هذا الواقع يفتح الباب أمام صدامات متكررة، ويحوّل المحافظة إلى مساحة اختبار لنموذج حكم محلي مسلح قد يتمدد إلى مناطق أخرى إذا لم يُحتوَ سياسيًا وأمنيًا.
هل تمتلك سوريا مقومات التعافي أم تعيد إنتاج الأزمات
يضع التصعيد في السويداء سؤال التعافي السوري تحت المجهر، إذ يكشف أن مقومات الاستقرار ما زالت منقوصة في ظل انتشار السلاح، وتعدد مراكز القرار، وتداخل الولاءات المحلية. فرغم تراجع حدة الحرب المفتوحة في معظم الجغرافيا السورية، إلا أن الوضع الأمني في السويداء يبيّن أن الأزمة لم تُحل جذريًا، بل أعيدت صياغتها في شكل نزاعات محلية قابلة للاشتعال، ما يعني أن مسار التعافي يظل هشًا وقابلًا للانتكاس في أي لحظة.
دور القوى الإقليمية في رسم مستقبل سوريا
لا يمكن فصل الوضع الأمني في السويداء عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية تسعى للتأثير في الجنوب السوري، سواء عبر دعم مباشر أو غير مباشر لفواعل محلية، أو عبر توظيف التوترات كورقة ضغط سياسية. هذا الدور الإقليمي، الذي يتغذى على هشاشة الداخل، يسهم في إطالة أمد الأزمات ويحول دون بلورة حل وطني جامع، ما يجعل مستقبل البلاد مرهونًا بتوازنات خارجية بقدر ما هو مرتبط بقدرتها الذاتية على إعادة بناء الدولة.
بين خطر الانفجار وفرصة الاحتواء
في المحصلة، يكشف الوضع الأمني في السويداء أن سوريا تقف عند مفترق طرق حاسم، فإما أن تنجح في تحويل الأزمات المحلية إلى مدخل لإعادة بناء الثقة وضبط السلاح وتوحيد القرار، أو تستمر في مسار إعادة إنتاج الأزمات بأشكال جديدة. وبين هذين الخيارين، يبقى العامل الإقليمي حاضرًا بقوة، ما يجعل أي تعافٍ حقيقي مرهونًا بمعالجة داخلية شاملة توازيها تفاهمات خارجية تقلل من توظيف الساحة السورية كساحة صراع مفتوحة.










