تشهد الضفة الغربية تصعيدًا متسارعًا في اعتداءات المستوطنين وقوات الاحتلال، في مشهد لم يعد يُقرأ بوصفه حوادث منفصلة أو انفلاتًا أمنيًا عابرًا، بل كجزء من مسار سياسي وأمني متكامل. ففي جنوب الخليل، أصيب ثلاثة فلسطينيين بجروح متفاوتة إثر هجوم عنيف شنه مستوطنون على منزل عائلة محمود الدغامين في منطقة واد اجحيش شرقي بلدة السموع، حيث اقتحم المهاجمون المنزل واعتدوا على سكانه بالحجارة والعصي، في تكرار لاعتداء سبق أن طال العائلة نفسها. ولم يتوقف الهجوم عند البشر، إذ أقدم المستوطنون على اقتحام حظيرة أغنام وقتل عدد من المواشي، في رسالة واضحة تستهدف كسر مقومات الصمود المعيشي للفلسطينيين.
في شمال الضفة، اتخذت الاعتداءات طابعًا مختلفًا لكن الهدف بقي واحدًا، إذ اقتحم مستوطنون أراضي فلسطينية في بلدتي بيت دجن وبيت فوريك شرقي نابلس مستخدمين جرارات زراعية لحراثة مساحات واسعة من الأراضي، في خطوة تهدف إلى فرض أمر واقع جديد لصالح التوسع الاستيطاني. مشاهد مشابهة سُجلت في بلدتي عقربا وخربة يانون، حيث جرت عمليات الحراثة بحماية قوات الاحتلال، ما يعكس تداخلاً مباشرًا بين الاعتداءات الاستيطانية والغطاء العسكري الرسمي.
إدارة الصراع داخل الضفة
لم تعد هذه الخروقات مجرد ردود فعل أمنية أو أعمال عنف معزولة، بل مؤشرات على انتقال الاحتلال إلى مرحلة أكثر تنظيمًا في إدارة الصراع داخل الضفة الغربية. أرقام هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تعزز هذا الاستنتاج، إذ تشير إلى تسجيل 2144 اعتداء خلال شهر تشرين الثاني وحده، بينها 1523 اعتداء نفذها جيش الاحتلال و621 اعتداء نفذها المستوطنون. هذا التوازي بين الفعل العسكري والفعل الاستيطاني يشي بوجود سياسة متكاملة تهدف إلى إعادة رسم الخريطة الديمغرافية والجغرافية للضفة، تمهيدًا لمرحلة ما بعد الحرب، حيث تسعى إسرائيل إلى تثبيت وقائع يصعب التراجع عنها سياسيًا.
عبدالعاطي: الضفة في قلب مشروع الضم التدريجي
في هذا السياق، يقدّم د. صلاح عبدالعاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، تشخيصًا سياسيًا مباشرًا لطبيعة ما يجري، مؤكدًا أن تصاعد الاقتحامات والاعتقالات في الضفة الغربية، وتنامي اعتداءات المستوطنين، لا يمكن قراءتهما كوقائع منفصلة عن السياسات والجرائم الإسرائيلية الأوسع، مشيرا أن هناك دلائل على أن هذه الانتهاكات تتحول إلى سياسات ممنهجة لبسط السيطرة على الأرض وتغيير الوقائع الديمغرافية والسياسية.
وأكد عبد العاطي أن الهدف من هذه الانتهاكات هو الاستفادة من ذلك في مرحلة ما بعد الحرب في إطار الضم التدريجي للضفة الغربية ومنع فرص إقامة الدولة الفلسطينية، موضحا أنه في ظل استمرار العمليات العسكرية وانهيار الوضع الإنساني في غزة والضفة الغربية، تصبح فرص إعادة الإعمار والعيش الطبيعي محدودة للغاية في ظل مواصلة دولة الاحتلال الإسرائيلي لوضع العراقيل أمام عمليات إعادة الإعمار واستمرار وتصاعد جرائم الاحتلال الإسرائيلي، بينما يؤدي هذا التصعيد إلى عقبات كبيرة أمام الاستقرار الداخلي والإقليمي معًا."










