يأتي بحث “المجلس الأعلى للتخطيط” المصادقة على إقامة 126 وحدة استيطانية في مستوطنة سانور شمالي الضفة الغربية المحتلة، ليعيد فتح ملف فك الارتباط الذي نفذته إسرائيل عام 2005، ولكن من زاوية معاكسة تمامًا. فالخطوة لا تمثل إجراءً تخطيطيًا معزولًا، بل تعكس تحوّلًا استراتيجيًا في السياسة الاستيطانية الإسرائيلية، يقوم على إعادة إحياء مستوطنات أُخليت سابقًا، وتحويل قرارات الإخلاء المؤقتة إلى مراحل قابلة للارتداد.
وفي هذا السياق، يُعاد توظيف مفهوم فك الارتباط سياسيًا وقانونيًا، ليس بوصفه التزامًا نهائيًا، بل كمرحلة عابرة انتهت صلاحيتها مع صعود تيارات اليمين الديني والقومي المتطرف إلى مركز القرار.
126 وحدة استيطانية في سانور كمدخل لفرض وقائع دائمة
لا تقتصر خطة 126 وحدة استيطانية في سانور على بناء مساكن فقط، بل تشمل بنية تحتية متكاملة من طرق ومناطق تجارية ومؤسسات تعليمية وحدائق عامة، ما يعني الانتقال من فكرة “نقطة استيطانية” إلى مشروع استيطاني متكامل قابل للنمو والتوسع. هذا النمط من التخطيط يعكس إدراكًا إسرائيليًا بأن المعركة لم تعد فقط على عدد الوحدات، بل على خلق واقع عمراني يصعب التراجع عنه سياسيًا أو ميدانيًا، ويحوّل الاستيطان إلى جزء طبيعي من الجغرافيا المفروضة بالقوة.
قانون إلغاء فك الارتباط وتكريس الاستيطان التدريجي
تندرج المصادقة على 126 وحدة استيطانية في سانور ضمن سياق أوسع هو توسيع تطبيق قانون إلغاء فك الارتباط شمالي الضفة الغربية، الذي جرى تعميمه في أيار مايو 2024 ليشمل مستوطنات سانور وغنيم وكديم، بعد أن اقتصر سابقًا على حومش. هذا المسار القانوني، المدعوم بأوامر عسكرية وتعديلات تشريعية، يمهّد لعودة منظمة للمستوطنين تحت حماية الجيش، على أن تُستكمل لاحقًا عملية “الشرعنة القانونية الكاملة”، في تكرار لسيناريوهات استيطانية سابقة جرى فرضها كأمر واقع.

سموتريتش ورواية “التصحيح التاريخي” للاستيطان
تصريحات بتسلئيل سموتريتش حول 126 وحدة استيطانية في سانور تكشف بوضوح البعد الأيديولوجي للمشروع، إذ يقدّم الخطوة باعتبارها “تصحيحًا لظلم تاريخي” وتنفيذًا لرؤية صهيونية، في خطاب يتجاوز الاعتبارات الأمنية أو التخطيطية، ليضع الاستيطان في إطار عقائدي طويل الأمد. هذا الخطاب لا يستهدف الداخل الإسرائيلي فقط، بل يبعث برسالة للفلسطينيين والمجتمع الدولي مفادها أن التراجع عن الاستيطان لم يعد واردًا، وأن المرحلة الحالية هي مرحلة تحويل الشعارات إلى خرائط وميزانيات وطرق ميدانية.
الاستيطان شمال الضفة وإعادة رسم الجغرافيا السياسية
إعادة بناء سانور عبر 126 وحدة استيطانية تحمل دلالات تتجاوز الموقع نفسه، إذ تقع المستوطنة في منطقة حساسة شمال الضفة الغربية، ويُنظر إليها كجزء من حزام استيطاني يهدف إلى تقطيع أوصال المدن الفلسطينية، وتقييد أي إمكانية لتواصل جغرافي مستقبلي. بهذا المعنى، لا تعني عودة سانور فقط استعادة مستوطنة أُخليت، بل إدخال عنصر جديد في معادلة السيطرة على الأرض، وتعميق مشروع الضم الزاحف بعيدًا عن أي مسار سياسي تفاوضي.
ما بعد سانور… استيطان الأرقام كسياسة دائمة
تُظهر خطة 126 وحدة استيطانية في سانور أن الاستيطان الإسرائيلي دخل مرحلة “السياسة الرقمية”، حيث تُستخدم الأرقام والمخططات التفصيلية كأداة لإدارة الصراع وفرض الوقائع بهدوء نسبي، بعيدًا عن الضجيج العسكري المباشر. وفي ظل هذا النهج، تتحول قرارات التخطيط إلى أخطر أدوات السيطرة، لأنها تؤسس لواقع دائم يصعب تفكيكه لاحقًا. وعليه، فإن سانور ليست سوى نموذج قابل للتكرار في مواقع أخرى أُخليت أو جُمّدت سابقًا، ما ينذر بمرحلة استيطانية أكثر عمقًا وتنظيمًا، تعيد تعريف مفهوم فك الارتباط بوصفه استراحة مؤقتة لا أكثر.










