للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، احتفل المسيحيون من سكان غزة بعيد الميلاد، رغم الخروقات الإسرائيلية المتواصلة لوقف إطلاق النار، واستهدافها لكل مظاهر الحياة في القطاع، في خطوة تحمل في طياتها إرادة صمود وغضبًا على الاحتلال الذي استهدف حياتهم وبيوتهم وكل ما يمثل كرامتهم. ورغم خروقات الاحتلال المستمرة لوقف إطلاق النار، انخرط المسيحيون في الاحتفال، مزينين الأشجار وتوزيع الحلويات رغم الدمار والمعاناة.
قداس عيد الميلاد
قاد الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، البطريرك اللاتيني للقدس، قداس ليلة عيد الميلاد في كنيسة العائلة المقدسة في مدينة غزة، حيث عمّد أصغر عضو في المجتمع المسيحي، طفل يُدعى ماركو نادر حبشي.
وقال إلياس الجلدة، البالغ 59 عامًا وأحد أبرز أفراد الطائفة الأرثوذكسية في غزة، إن الاحتفال هذا العام "لن يكون مليئًا بالفرح، لكنه محاولة لتجديد الحياة". وأضاف لـ"واشنطن بوست": "أتذكر الأيام التي كان فيها عيد الميلاد في غزة مناسبة احتفالية في المدينة، يجتمع فيها المسلمون والمسيحيون معًا، كانت فرصة لنستنشق الحياة."
التراجع السكاني
لكن بينما كانت الأعياد -مثل عيد الميلاد- منذ زمن طويلة تمنح شعورًا بالراحة، كان المسيحيون في غزة يتعرضون بالفعل لتراجع مستمر. والآن، مع الإبادة التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي بدعم أمريكي منذ أكتوبر 2023، تضاءل عدد السكان أكثر، ويحذر قادة الكنائس من أن الحصار والإبادة قد يدفعان المزيد من الناس إلى القبول بالتهجير القسري.
وقال المطران عطاالله حنا، رئيس أبرشية سبسطية للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية في القدس: "مثل غالبية الفلسطينيين في غزة، دُمرت منازل المسيحيين، وتعرضت أعمالهم للتدمير، وظروفهم المعيشية صعبة".
وفقًا لـ"حنا" والجلدة، الذي يعمل في مجلس الكنيسة الأرثوذكسية العربية في غزة، فقد انخفض إجمالي عدد المسيحيين في القطاع من حوالي 1000 عضو قبل الحرب إلى نحو نصف هذا العدد اليوم. وهو انخفاض يعكس جزئيًا اتجاهًا طويل الأمد لتهجير المسيحيين ضمن خطة الاحتلال لتفريغ القطاع من سكانه.
وفي غزة، عدد المسيحيين قليل جدًا لدرجة أن أي خسارة تُشعر وكأنها ضربة كبيرة.
تهجير وإبادة بدعم "الغرب المسيحي"
في الوقت نفسه، كان للإبادة الإسرائيلية في غزة تأثير كبير، لما خلفته من تهجير المسيحيين قسريا من القطاع. بدأ السكان بالمغادرة بوتيرة ثابتة، إما بمساعدة أفراد العائلة في الخارج أو من خلال عمليات إجلاء طبية. ووصف "الجلدة" هذه المغادرات بأنها "محاولة للبقاء على قيد الحياة"، بينما من بقوا في غزة "نجوا بما يمكن وصفه فقط بالمعجزة".
ووفقًا للجنة تشرف عليها الحكومة الفلسطينية، فقد استشهد ما لا يقل عن 44 فلسطينيًا مسيحيًا في الإبادة التي يرتكبها الاحتلال على مر 3 سنوات، بدعم من المجتمع الغربي المسيحي، وفي مقدمته الولايات المتحدة.
وأوضحت اللجنة أن بعضهم استشهد في هجمات قنص أو مدفعية إسرائيلية استهدفت الكنائس في غزة، بينما توفي آخرون بسبب المرض أو الإصابات أو سوء التغذية نتيجة نقص الغذاء أو الرعاية الطبية.
إبادة غزة
ووفقًا لوزارة الصحة في غزة، فقد استشهد أكثر من 70 ألف فلسطيني في الحملة العسكرية الإسرائيلية التي بدأت في 7 أكتوبر 2023. مشيةر إلى غالبية الشهداء هم من النساء والأطفال.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن ما يقرب من جميع سكان غزة البالغ عددهم 2.1 مليون شخص قد تشردوا، وأن مساحات واسعة من القطاع، بما في ذلك المنازل والأراضي الزراعية والبنية التحتية، قد دُمرت.
اللجوء إلى الكنائس
أجبرت الإبادة الإسرائيلية المئات من سكان غزة، بما فيهم المسيحيين — الذين ينتمي معظمهم إلى الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية أو الكنيسة الكاثوليكية — على اللجوء إلى كنيستين رئيسيتين في القطاع.
وقد لجأ معظمهم إلى كنيسة العائلة المقدسة في حي الرمال بمدينة غزة. وتتمتع هذه الكنيسة، وهي كاثوليكية، بمساحة كبيرة لاستيعاب النازحين والمتضررين من الإبادة. أما الآخرون فقد تكدسوا على بعد نحو 1.5 ميل في كنيسة القديس بورفيريوس الأرثوذكسية اليونانية، التي تأسست في عام 425.
بالنسبة للجلدة وعائلته، خدمت كنيسة العائلة المقدسة كملاذ بعد أن دُمر منزلهم في حي تل الهوا بمدينة غزة بعد شهر واحد من الحرب. وبعد بدء الهدنة، انتقلوا إلى منزل مستأجر في المدينة، لكنهم ما زالوا يحاولون تأثيثه.
اليوم، لا يزال معظم المسيحيين الفلسطينيين في المنطقة يقطنون الكنائس، حيث لم تبدأ أعمال إعادة الإعمار بعد، وقد غمرت الأمطار الخيام التي يعيش فيها سكان غزة.
تاريخ غزة المسيحي
بدوره، قال يوسف الخوري، وهو من غزة وعميد في كلية بيت لحم للكتاب المقدس في الضفة الغربية: "هناك افتراض بأن غزة لا تحتوي على سكان مسيحيين، أو ليس لها تاريخ مسيحي". وأضاف: "وهذا غير صحيح".
وأشار إلى أن غزة، رغم صغر حجمها، أنجبت العديد من علماء اللاهوت والسياسيين والمفكرين المسيحيين على مر السنين. ويعتقد أيضًا أن السيد المسيح والسيدة ومريم والنبي يوسف مرّوا عبر القطاع في طريقهم إلى مصر — وهي القصة التي أعطت كنيسة العائلة المقدسة اسمها.
الذكريات المشتركة بين المسيحيين والمسلمين
وقال الخوري، الذي نشأ في غزة في التسعينيات، مثل الجلدة، إنه يتذكر زمنًا كانت فيه الحياة المسيحية هناك ليست مجرد البقاء على قيد الحياة. وأضاف: "كانت الاحتفالات بالمناسبات المسيحية والإسلامية مشتركة"، مشيرًا إلى أن هناك دائمًا شعورًا بالتضامن بين "المسيحيين والمسلمين الفلسطينيين في غزة: الذهاب إلى المدرسة معًا، واللعب معًا، والذهاب إلى جمعية الشبان المسيحية".
لكن مع انهيار عملية السلام مع إسرائيل وتلاشي أمل الدولة الفلسطينية، بدأ الصراع يمزق المجتمع. شهدت غزة صراعًا داخليًا دمويًا بين حماس وحركة فتح، ومنذ ذلك الحين أصبحت احتفالات عيد الميلاد خصوصية محدودة وباهتة.
ومع ذلك، بينما ترأس بيتسابالا قداسًا بارزًا هذا الأسبوع بمناسبة عيد الميلاد، دعا المسيحيين في غزة إلى التمسك بالأمل.
وقال: "ندعى ليس فقط للبقاء على قيد الحياة، بل لإعادة بناء الحياة. يجب أن نجلب روح الميلاد — روح النور والحنان والمحبة. قد يبدو الأمر مستحيلًا، لكن بعد عامين من الحرب الرهيبة، ما زلنا هنا".










