على الإنسان أن يكون صادقًا مع نفسه
قبل أن يكون صادقًا مع الآخرين،
فصدق الإنسان مع ذاته هو الأساس الذي تُبنى عليه كل القيم،
وبه تُقاس المواقف، وتُعرف النوايا،
ومن دونه يفقد الإنسان بوصلته الأخلاقية،
مهما بدا صادقًا أمام الناس.
فالصدق، والصفاء، والنقاء، والوفاء
قيمٌ لا يحملها إلا أصحاب النفوس النبيلة.
ورغم ذلك، فإننا نعيش في عالمٍ يشبه حفلةً تنكّرية،
يرتدي فيه الكثيرون أقنعةً براقة،
تُخفي ما وراءها من تناقض وزيف،
لكن هذه الأقنعة لا تصمد طويلًا،
فما إن يقع خلاف، أو يحتدم حوار،
حتى تسقط الأقنعة تباعًا،
وتنكشف وجوهٌ عارية من الأخلاق،
خالٍة من التسامح،
بعيدة عن الاحترام وقبول الآخر.
وهو مشهدٌ مؤلم ومؤسف في الوقت ذاته،
نراه يتكرر باستمرار،
سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي
التي تحوّلت عند البعض إلى ساحاتٍ للتجريح والتشهير،
أو من خلال بعض وسائل الإعلام
التي تخلّت عن رسالتها الأخلاقية،
وقدّمت الإثارة على القيم،
والمصلحة على الحقيقة.
لقد أصبح الصفاء والنقاء والوفاء
من أندر ما يمكن أن نصادفه في هذا الزمن،
ومع شديد الأسف لم تعد هذه القيم
تشكل أولوية لدى الكثيرين،
حتى إن بعض العلاقات الإنسانية
لم تعد تُبنى على المحبة والاحترام،
بل أصبحت قائمة على المصالح الشخصية،
تستمر ما دامت المنفعة موجودة،
وتنتهي فور غيابها،
وكأن المشاعر أصبحت مؤقتة،
والروابط الإنسانية بلا جذور.
وسط هذا الواقع المتعب،
يبقى وجود الإنسان النبيل
أملًا نادرًا يستحق التمسك به.
فإن وجدتَ شخصًا صادقًا،
نقيّ السريرة، حسن الخلق،
وفيًا في حضوره وغيابه،
صادقًا في قوله، ثابتًا في موقفه،
فعليك الحفاظ عليه قدر الإمكان،
لأن النُّبل في هذا الزمن
أصبح عملةً نادرة،
والحفاظ عليها أصعب
من العثور عليها.
وسلامًا على صديقٍ صدوقٍ،
بقي وفيًّا رغم تغيّر الوجوه،
وصادقًا رغم كثرة الأقنعة،
نقيّ القلب في زمن الازدواجية،
وثابتًا على خُلُقه حين تبدّلت القيم.
سلامٌ عليه ما دام الوفاءُ قيمة،
وما دام الصدقُ طريقًا لا يسلكه إلا القلّة.










