20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. محمد خليل مصلح يكتب: من الاستباق والردع إلى المنع.. إدراك فشل النظرية الأمنية التقليدية الإسرائيلية منذ 1967 حتى 2025

تهدف هذه المقالة إلى نقد وتفكيك النظرية الأمنية الإسرائيلية التقليدية التي استندت منذ حرب الأيام الستة (1967) على ثلاثة مرتكزات، من خلال تحليل تاريخي-نقدي.

بقلم: د. محمد خليل مصلح
٢٥ ديسمبر ٢٠٢٥
10 دقائق قراءة
59 مشاهدة
طوفان الأقصى

طوفان الأقصى

ملخص

تهدف هذه المقالة إلى نقد وتفكيك النظرية الأمنية الإسرائيلية التقليدية التي استندت منذ حرب الأيام الستة (1967) على ثلاثة مرتكزات: الاستباق العسكري، الردع النفسي-العسكري، والمنع الاستباقي المستمر. من خلال تحليل تاريخي-نقدي.

في مقالتنا هذه نظهر أن هذه النظرية الأمنية الإسرائيلية التقليدية التي وضعها بن غوريون فشلت فشلا ذريعا في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين ومواجهة حرب العصابات او استراتيجية اللاتناظر العسكرية، لا لأسباب تكتيكية فحسب، بل لأنها بُنيت على أيديولوجيا استعمارية استيطانية ترفض الاعتراف بالشعب الفلسطيني، كفاعل سياسي وحقيقي لا يمكن تعطيله او تفكيكه بالاعتماد على الرؤية الامنية للحل.

نستند المحتوى إلى الوثائق الرسمية للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، والاستفادة الى تقارير معهد الدراسات الأمنية القومية (INSS)، ومقارنتها بالواقع الميداني لعام 2025، لتخلص إلى أن اعتماد عنصري الأمن الذي ابتكر أثناء الحرب بعد 7 اكتوبر "المنع" ليس إلا هروباً إلى الأمام يُدير فشلاً استراتيجياً ويُعمّق الأزمة الوجودية للمشروع الصهيوني وهو اصرار على تجاهل الحل السياسي وانعكاس الازمة الداخلية عل. العقلية اليهودية الحاكمة والنخبة السياسية والمؤسسة الامنية.

1. المقدمة: إطار المشكلة والفرضية

منذ حرب الأيام الستة (1967) وحتى العام 2025، بقيت إسرائيل أسيرة نظرة أمنية تقليدية ترى في القوة العسكرية الساحقة الضمانة الوحيدة لبقائها (الرؤية الأمنية). غير أن هذه النظرية، التي حققت انتصارات "سريعة" ضد جيوش عربية نظامية في يونيو 1967 كشفت عن هشاشتها الجوهرية أمام تحديات القرن الحادي والعشرين: المقاومة الشعبية المسلحة، والحروب الاستنزافية الطويلة، واللاتناظر، والشرعية الدولية المتراجعة، وانتهاء الاستثناء لإسرائيل، والتحولات الديموغرافية والتكنولوجية.

الفرضية المركزية: إن فشل النظرية الأمنية الإسرائيلية ليس ناتجاً عن أخطاء تطبيقية، بل عن تشوّه أيديولوجي بنيوي يرفض الاعتراف بالشعب الفلسطيني كشريك/خصم سياسي صاحب حق تاريخي على الاقل، ويعتبر القضية الفلسطينية مجرد "مشكلة أمنية" يمكن حلها بالقوة. من خلال تحليل الثلاثية الامنية "الاستباق-الردع-المنع"، والدعم الغربي اللامتناهي والأمريكي خاصة، و الهدف ان نظهر كيف تحوّلت هذه المفاهيم من أدوات "دفاعية" إلى مبرّرات لإبادة منهجية ونظام فصل عنصري (أبارتهايد) يهدّد صميم المشروع الصهيوني بل تفكك العقد الاجتماعي داخليا وتراجع شرعية اسراىيل عالميا بفعل7 اكتوبر.

2. تاريخية النظرية الأمنية الإسرائيلية: من "الواقعية الصهيونية" إلى "المعجزة"

2.1. الأصول الفكرية: أمن كقيمة مطلقة من وجهة النظر الاسرائيلية

تأسست النظرية الأمنية الإسرائيلية على ثلاثة مفاهيم استوردتها الصهيونية من التجربة الأوروبية والصدمة الهولوكوستية على يد بن غوريون رئيس وزراء اسراىيل الاول، ولقد بنيت هذه النظرية الرؤية المشكلة في الغرب والمحيط الإقليمي العربي:

1. "العالم ضد اليهود": نظرة تشككية خبيثة تُرى فيها كل العلاقات الدولية من منظار "صراع المصالح لا قيمة للمبادىء فيها وتحتاج الى اللوبي اليهودي للتأثير على صناعة القرار الغربي لصالح اسرائيل والتوسع والاستيطان وافشال قرار التقسيم، ما يبرّر تفويضاً مطلقاً للجيش في صنع القرار.

2. "الأرض بلا شعب لشعب بلا أرض": إنكار وجود الشعب الفلسطيني ككيان سياسي، وبالتالي اعتبار أي مقاومة "إرهاباً" وليس نضالاً تحررياً.

3. "القوة الحاسمة": الاعتقاد بأن "العرب يفهمون لغة القوة فقط"، ما يُبقي الحل العسكري هو الوحيد الممكن.

2.2. حرب الأيام الستة: تتويج الأسطورة

في 5 يونيو 1967، نفّذت إسرائيل أيقونة الاستباق الناجح: تدمير سلاح الجو المصري والسوري في 3 ساعات، واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وسيناء في 6 أيام. صاغ المؤرخ الإسرائيلي ميشال بر-زوهر هذه اللحظة كـ"معجزة"، لكنه تجاهل أن الانتصار العسكري الساحق لم يُحلّل المشكلة السياسية، بل أنتجها: إسرائيل وجدت نفسها محتلة  لشعب تعداده ثلاثة مليون ونصف فلسطيني دون خطة سياسية واضحة او رؤية استراتيجيةللتعامل مع الاخطار القادمة من الرفض الشعبي الفلسطيني.

النصر "المعجزة" او المطلق الذي يسعى له نتنياهو في حرب ٧ اكتوبر ويحاول تسويقه، قد أعمى المؤسستين الأمنية والسياسية عن الفشل الاستراتيجي: لا يمكن احتلال شعب وإبقاؤه راضخاً إلى الأبد.

3. الاستباق: من النصر المعجزة   1967 إلى الكارثة 7 أكتوبر 2023 

3.1. منطق الاستباق: الضربة الاستباقية كعقيدة عسكرية

يُعرّف الاستباق في الأدبيات العسكرية الإسرائيلية بأنه "القدرة على شن هجوم وقائي/عدواني لمنع تهديد وشيك" (INSS, 2017). غير أن إسرائيل حوّلته إلى عقيدة هجومية دائمة:

▪︎ 1967ضد مصر وسوريا والأردن.
• 2198: اجتياح لبنان (لمنع  منظمة التحرير الفلسطينية من العمل العسكري شارون).
• 2008-2014: عمليات "الرصاص المصبوب" و"الجرف الصامد" ضد غزة.

3.2. فشل الاستباق في 2023: هجوم 7 أكتوبر

تُعتبر هجمة 7 أكتوبر 2023 المفاجئة صدمة وضعت نهاية عصر الاستباق ونظرية الامن الإسرائيلية. فشل الاستخبارات (الشاباك، الموساد) لم يكن تقنياً بل منهجياً: لانه بني على الغرور بالنفس والاستهانة و رفض الإيمان بقدرة المقاومة على التخطيط والتنفيذ والمفاجئة متناسيا 6 اكتوبر تشرين وبعدها حرب الاقصى الاخيرة. كما يُشير تسفي هاوزر، مستشار الأمن القومي السابق: "كنا نرى الفلسطينيين كأرقام في كمبيوتر، لا كبشر يخططون للحرية".

النتيجة: الاستباق الإسرائيلي، بدلاً من أن يمنع الحرب، أشعل حرب إبادة في غزة قتلت أكثر من خمسة وسبعون مدنيا (حسب التقارير الرسمية بالتقريب)، فالاستباق لم يعد دفاعاً، بل جريمة حرب.

3.3. النقد الأيديولوجي العقدي

فشل الاستباق يكشف أن المشكلة ليست في "التخطيط" بل في منطق الاحتلال نفسه: لا يمكن منع مقاومة شعب يرفض الاحتلال من القتال والدفاع عن نفسه، فكل غارة تنتج مقاومةً أكبر. إنها حلقة مفرغة إيديولوجية للصراع.

4. الردع: من "الخوف المقدس" إلى "اللامبالاة بالموت"

4.1. نظرية الردع الإسرائيلية:

قتل الجزء لإخافة الكل، استهداف فصائل صغيرة لترتيب حماس، وقد منحت قيادة حماس هذا الشعور بأن حماس مردوعة. 

ولقد بُنيت قدرة الردع الاسرائيلية على مبدأين:

1. الثمن الباهظ: "إذا هاجمتنا، ستدفع ثمناً لا تطيقه" (باري دينستين, 2018).
2. الذاكرة التاريخية: "النكسة 1967" و"حرب 1973" ستبقى حاضرة في ذاكرة العرب.

4.2. فشل الردع أمام المقاومة الشعبية

أمام حماس وحزب الله، فشلت نظرية الردع لأنها تعامل الشعوب كجيوش:

- حزب الله (2006-2024): رغم تدمير البنية التحتية في لبنان، ازدادت القوة الصاروخية للحزب من 15,000 صاروخ (2006) إلى 150,000 (2024). لم يُردع، ولا نغفل احداث حرب الشمال التي قضت على الكثير من قوات حزب الله وفشل الأمن الداخلي للخزب أمام الاختراق الامني الواسع داخل الحزب مما غير المعادلات داخل لبنان ووضع الخزب في وضع حرجة أمام مطالبة الدولة بتسليم سلاحه.

- حماس: كل عدوان إسرائيلي (2008، 2012، 2014، 2023-24) لم يمنع تطور قدرات المقاومة بل استغلتها جيدا في تطوير قدراتها وخبراتها وإنتاج أسلحة مبتكرة: الانفاق والطائرات المسيرة، لقد أنتجت جيلاً جديداً من المقاتلين غير مردوعين.

- "اللامبالاة بالموت": كما تُشير دراسة لـمجلة دراسات الشرق الأوسط (2023)، فإن الفلسطينيين الذين فقدوا كل شيء لم يعودوا يخافون الموت، بل يرونه "تحرراً".

4.3. الاستنتاج: الردع يُنتج ما يريد منعه (كراهية الخوف وحب الشهادة)

لذلك نرى ان الردع الإسرائيلي لم يكن "فشلاً تكتيكياً" بل إعادة إنتاج للصراع، كل شهيد فلسطيني ينتج 10 مقاتلين جدد. إنه منطق العنف الدائري الذي يرفض كل حل سياسي.

5. المنع: هروب إلى الأمام كإدارة فشل

5.1. مفهوم المنع: العدوان الدائم تحت غطاء "الوقاية"

بعد فشل الاستباق والردع، ظهر في الأدبيات الإسرائيلية (خصوصاً في تقارير INSS 2024-2025) مفهوم "المنع الاستباقي المستمر" (Continuous Preventive Action). يتضمن:
- اغتيالات نوعية: قتل قادة المقاومة (مثل اغتيال هنية، الضيف او قادة حزب الله حسن نصر الله).

- حروب أبدية: "الحرب بين الحروب" (mabam) في سوريا، والحصار الدائم لغزة، تو ما يعرفه العدو جز العشب فهو لم يعد يكفي في المنطق والأيديولوجيةالعسكرية الإسرائيلية.

- تدمير البنية التحتية: منازل، مدارس، مستشفيات لمنع "إعادة البناء العسكري" سلاح الانفاق.

5.2. المنع كإبادة: غزة 2023-2024

حرب غزة الأخيرة هي نموذج المنع المتطرف: تدمير 80% من البنية التحتية،قتل عشراتةالالاف من المدنيين، تهجير 2 مليون، لمنع "تهديد مستقبلي". لكن في الواقع:

- لم تمنع شيئاً: المقاومة مستمرة، ولا تزال تُكبد جيش الاحتلال خسائر عسكرية يوميا .
- أنتجت كارثة إنسانية: مجاعة، أوبئة، وإدانة دولية كاملة.
- كشفت الحدود الإسرائيلية: لا يمكن "المنع" شعباً كاملاً من المقاومة.

5.3. النقد: المنع هو إدارة الفشل الاستراتيجي

"المنع" ليس استراتيجية بل هروب إلى الأمام، إسرائيل تعلم أنها لا يمكنها تحقيق الانتصار المطلق، لذا تقوم بـ"إدارة الصراع" بشكل دائم. هذا يحوّلها إلى دولة سجون (garrison state) اقتصادها عسكري ومجتمعها محاصر في الخوف والقلق في نفسه تفقد شرعيتها الدولية والاخلاقية ولم تعد تستطيع انتاج القلق لحماية الاجماع القوي لليهود لحماية الدولة من الانهيار والحرب الأهلية.

6. المقارنة التحليلية: 

فشل الحل العسكري الرؤية الامنية وافشال الحل السياسي اوسلو ومازن داخلي يصل الى حد الصراع والتهديد الوجودي الداخلي. 

الخلاصة: إسرائيل انتقلت من "الحرب السريعة" إلى "الحرب الأبدية"، لأنها لم تعد تعرف كيف تنهي صراعاً لا يمكن حله بالقوة، وبدون الحل السياسي المرحلي، وتركز التاريخ يكمل الحل الدائم لصالح الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي.

7. الخلاصة: 

•فشل النظرية الأمنية  كفشل أيديولوجي وليس تكتيكي.
•إنهاء الاحتلال أو إنهاء المشروع
•إسرائيل اليوم تواجه خيارين:
- الاستمرار في الفشل: إبادة، عزلة، وفي النهاية انهيار داخلي.
- إعادة التفكير: الاعتراف بفشل الامن وان الحل في مسار شامل اخر يبنى على عدل الحق الفلسطيني.

كما قال المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد: "لا يمكنك قمع شعب إلى الأبد. في النهاية، سيفوزون، لأنهم يقاتلون من أجل الحياة، وأنت تقاتل من أجل الهيمنة".

المراجع
1. المعهد للدراسات الأمنية القومية (INSS). (2017). ستة أيام وخمسون عاماً. تل أبيب.
2. المعهد للدراسات الأمنية القومية (INSS). (2025). استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب: دلالات لإسرائيل. تل أبيب.
3. بر-زوهر، م. (1968). أيام الألف والعشرين. تل أبيب: أم عوفيد.
4. بروم، ش. (2020). مفهوم الردع الإسرائيلي. مجلة دراسات الشرق الأوسط، 45(3)، 112-134.
5. هاوزر، ت. (2024). حوار مع مستشار الأمن القومي السابق. هآرتس، 15 مارس.
6. دينستين، ب. (2018). الحرب والقانون الدولي في الشرق الأوسط. نيويورك: أكسفورد.
7. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). (2024). Gaza Crisis: Humanitarian Situation Report. Geneva.
8. International Court of Justice. (2024). Advisory Opinion on the Legal Consequences of Israel's Occupation of Palestinian Territory. The Hague.
9. سعيد، إ. (2003). الاستشراق والعالم العربي. بيروت: دار العودة.
10. World Socialist Web Site. (2024). Fifty Years After the Six-Day War. Retrieved from https://www.wsws.org.

د. محمد خليل مصلح

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال