في خطوة تعكس تصاعد القلق الرسمي من تمدد تطبيقات الذكاء الاصطناعي الموجهة للجمهور، أعلنت الهيئة الصينية لتنظيم الإنترنت عن مشروع قواعد جديدة تهدف إلى تشديد الرقابة على خدمات الذكاء الاصطناعي القادرة على محاكاة الشخصيات البشرية والتفاعل العاطفي مع المستخدمين، في مسعى واضح لوضع إطار أخلاقي وأمني يحكم هذا القطاع سريع النمو. وتأتي هذه القواعد في سياق أوسع من سياسات بكين الرامية إلى ضبط الابتكار التكنولوجي دون كبحه، مع تقليص مخاطره الاجتماعية والنفسية.
الذكاء الاصطناعي العاطفي تحت مظلة التنظيم الصيني
تشمل القواعد المقترحة جميع منتجات وخدمات الذكاء الاصطناعي المقدمة للجمهور في الصين، والتي تُظهر سمات شخصية بشرية وأنماط تفكير وأساليب تواصل تحاكي الإنسان، سواء عبر النصوص أو الصور أو الصوت أو الفيديو. وتُعد هذه الخطوة اعترافاً رسمياً بتأثير هذا النوع من الذكاء الاصطناعي على السلوك الإنساني، خاصة مع تزايد اعتماد المستخدمين عليه في التفاعل العاطفي والدعم النفسي والترفيه.
ويعكس التوسع في نطاق القواعد رغبة بكين في عدم ترك أي مساحة رمادية أمام الشركات التقنية، إذ لم تعد التطبيقات التفاعلية مجرد أدوات تقنية، بل باتت كيانات قادرة على التأثير في الوعي والسلوك والعلاقات الاجتماعية.

تحذير من الإفراط وتحميل الشركات مسؤولية كاملة
تلزم المسودة مزودي الخدمات بتحذير المستخدمين من مخاطر الإفراط في الاستخدام، مع التدخل عند ظهور مؤشرات على الاعتماد المفرط أو الإدمان. كما تفرض عليهم تحمل مسؤوليات السلامة على امتداد دورة حياة المنتج، من التصميم إلى التشغيل والتحديث.
وتشدد القواعد على ضرورة إنشاء أنظمة دقيقة لمراجعة الخوارزميات، وضمان أمان البيانات، وحماية المعلومات الشخصية، ما يعكس قلقاً متزايداً من تحول الذكاء الاصطناعي العاطفي إلى قناة لاختراق الخصوصية أو التلاعب النفسي غير المرئي.
المخاطر النفسية في صلب التشريع
تضع القواعد المقترحة البعد النفسي في قلب التنظيم، إذ تُلزم الشركات بتحديد حالات المستخدمين وتقييم مشاعرهم ومستوى اعتمادهم على الخدمة. وفي حال رصد مشاعر متطرفة أو سلوكيات إدمانية، يتوجب على المزودين اتخاذ إجراءات فورية للتدخل.
هذا التوجه يكشف إدراك السلطات الصينية لخطورة الروابط العاطفية التي قد تنشأ بين المستخدم والذكاء الاصطناعي، والتي قد تؤدي إلى العزلة الاجتماعية أو اضطرابات نفسية، خاصة لدى الفئات الشابة.
خطوط حمراء للمحتوى والسلوك
يرسم مشروع القواعد حدوداً صارمة للمحتوى، محظراً أي إنتاج يهدد الأمن القومي أو يروج للشائعات أو العنف أو الإباحية. وتأتي هذه البنود منسجمة مع السياسة الصينية العامة في ضبط الفضاء الرقمي، لكنها تكتسب هنا بعداً إضافياً نظراً لقدرة الذكاء الاصطناعي العاطفي على التأثير العميق وغير المباشر في المتلقين.
دلالات الخطوة بين الضبط والهيمنة الرقمية
تعكس هذه الخطوة رغبة الصين في أن تكون سبّاقة عالمياً في تنظيم الذكاء الاصطناعي العاطفي، لا باعتباره تقنية فحسب، بل كفاعل اجتماعي ونفسي. وهي رسالة مزدوجة للشركات والمستخدمين بأن الابتكار مرحّب به، لكن ضمن إطار صارم يوازن بين التطور التكنولوجي والاستقرار الاجتماعي.
كما تشير القواعد إلى توجه صيني لتكريس نموذج رقابي قد يتحول إلى مرجعية دولية، في ظل غياب أطر عالمية موحدة لتنظيم الذكاء الاصطناعي العاطفي. وفي المحصلة، تكشف هذه السياسة أن معركة المستقبل لم تعد على امتلاك التكنولوجيا فقط، بل على السيطرة على تأثيرها في الإنسان ذاته.










