انسحاب الاحتلال من قباطية.. دمار واسع في البنية التحتية وخسائر اقتصادية فادحة
تتنفس بلدة قباطية، الواقعة جنوب مدينة جنين شمال الضفة الغربية، الصعداء اليوم الأحد 28 ديسمبر 2025، بعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي التي عاثت فيها خراباً على مدار الأيام الماضية؛ حيث كشف الانسحاب عن حجم دمار هائل استهدف الحجر والبشر والشجر، في أعقاب عملية عسكرية وصفت بأنها "انتقامية" بامتياز، نفذها الجيش الإسرائيلي رداً على عملية فدائية شهدتها مدينة بيسان المحتلة.
وبينما بدأت طواقم البلدية والأهالي في تفقد الركام، تبرز ملامح كارثة اقتصادية واجتماعية حلت بالبلدة التي تعتبر أحد الشرايين الاقتصادية والزراعية الهامة في محافظة جنين، وسط إدانات حقوقية لسياسة العقاب الجماعي التي ينتهجها الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين.
تفاصيل الانسحاب: ثكنات عسكرية في منازل المواطنين واعتقالات تعسفية
أكدت مصادر محلية وشهود عيان من داخل قباطية أن الآليات العسكرية الإسرائيلية انسحبت بشكل كامل من أحياء البلدة صباح اليوم، مخلفة وراءها منازل محطمة كانت قد تحولت إلى ثكنات عسكرية ومراكز تحقيق ميدانية.
إن تحويل المنازل المأهولة إلى نقاط عسكرية يعكس استهتاراً صارخاً بحياة المدنيين وخصوصياتهم، وهو نهج بات يتكرر في كل اقتحام لمدن الضفة الغربية بهدف كسر الحاضنة الشعبية للمقاومة.
تصريحات رئيس البلدية: "دمار ممنهج يستهدف مقومات الحياة"
في تصريحات صحفية عقب الانسحاب، أكد رئيس بلدية قباطية، أحمد زكارنة، أن حجم العدوان الإسرائيلي كان غير مسبوق من حيث التركيز على تدمير البنية التحتية والمنشآت الخدماتية.
وأوضح زكارنة أن جرافات الاحتلال تعمدت تجريف الشوارع الرئيسية وخلع الأسفلت، وضرب مولدات الكهرباء المركزية، وقطع خطوط المياه والهاتف والكهرباء بشكل كلي عن أحياء واسعة، مما عزل السكان عن العالم الخارجي وحرمهم من الخدمات الأساسية. وأشار زكارنة بمرارة إلى أن هذا التدمير لم يكن له أي ضرورة عسكرية، بل كان يهدف بشكل واضح إلى تدفيع السكان "ثمناً باهظاً" لعملية بيسان، عبر تخريب ممتلكاتهم الخاصة وتحطيم محتويات عشرات المنازل التي اقتحمها الجنود.
فاتورة الخسائر: مئات آلاف الشواقل وشلل اقتصادي كامل
قدّر رئيس بلدية قباطية حجم الخسائر المادية المباشرة بمئات آلاف الشواقل، لكنه نبه إلى أن الخسائر غير المباشرة قد تكون أكبر بكثير؛ فبلدة قباطية التي يسكنها نحو 33 ألف نسمة، تعتمد بشكل كبير على الورش الصناعية وتجارة الخضار والفواكه (حسبة قباطية الشهيرة). وأوضح زكارنة أن فرض حظر التجوال طوال فترة العدوان أدى إلى تعطيل آلاف العمال والمهنيين عن أعمالهم، فيما تعرضت كميات ضخمة من المحاصيل الزراعية للتلف نتيجة منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم أو نقل بضائعهم للمصانع والأسواق، مما ألحق ضرراً فادحاً بقطاع الزراعة الذي يعد العمود الفقري لاقتصاد المنطقة.
وبدلاً من ملاحقة المنفذ فحسب، قرر الاحتلال ممارسة "العقاب الجماعي" ضد 33 ألف إنسان، عبر إغلاق منزل عائلة أبو الرب تمهيداً لهدمه، وفرض حصار شامل على البلدة، في سياسة يصفها القانون الدولي بأنها جريمة حرب تستهدف المدنيين العزل.
زاوية تحليلية: العقاب الجماعي كأداة للردع الفاشل
يرى مراقبون أن لجوء الاحتلال لتدمير البنية التحتية في قباطية وتجريف شوارعها هو اعتراف ضمني بفشل المنظومة الأمنية في منع العمليات الفدائية؛ فسياسة "تدفيع الثمن" عبر تخريب الممتلكات العامة والخاصة تهدف إلى خلق حالة من الضغط الشعبي ضد المنفذين وعائلاتهم، إلا أن التجربة التاريخية في الضفة الغربية أثبتت أن هذه السياسات تزيد من حالة الغضب والاحتقان وتدفع المزيد من الشباب نحو الانخراط في المقاومة.
صمود قباطية في وجه "حرب التجويع والتعطيل"
رغم فداحة الخسائر، بدأ أهالي قباطية فور انسحاب الآليات بمساعدة طواقم البلدية في عمليات التنظيف والإصلاح الأولي لخطوط المياه والكهرباء، في مشهد يجسد روح التحدي والصمود. إن تعطيل الورش والمصانع ومنع المزارعين من تسويق منتجاتهم يندرج ضمن "حرب اقتصادية" تشنها حكومة الاحتلال المتطرفة لتجويع الشعب الفلسطيني وتركيعه.
ومع ذلك، تظل قباطية نموذجاً للبلدة التي ترفض الانكسار، حيث سارعت اللجان المحلية لتقديم العون للعائلات المتضررة، مؤكدة أن الدمار الذي خلفه "كاتس" وجنوده لن يفت في عضد البلدة التي طالما كانت خزان الثورة في جنين.
استحقاق الإعمار ومسؤولية المجتمع الدولي
إن ما حدث في قباطية خلال الأيام الماضية هو صرخة جديدة في وجه المجتمع الدولي الصامت أمام جرائم الاحتلال في الضفة الغربية. إن تدمير البنية التحتية لبلدة كاملة رداً على فعل فردي هو انتهاك صارخ لاتفاقية جنيف الرابعة واليوم، تقف بلدية قباطية وحيدة أمام استحقاق كبير لإعادة الإعمار وترميم ما دمره الاحتلال، مما يتطلب وقفة جادة من السلطة الفلسطينية والمؤسسات الدولية لتعويض المتضررين ودعم صمود السكان في ظل هذه الظروف الاقتصادية الخانقة.
ستبقى آثار تجريف الشوارع في قباطية شاهدة على حقد المحتل، لكنها ستبقى أيضاً شاهدة على إرادة شعب يصر على البقاء وإعادة بناء ما دمره العدوان.










