جامعة جورج تاون تقطع علاقتها بفرانشيسكا ألبانيز.. خذلان أكاديمي تحت ضغط العقوبات الأمريكية
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والحقوقية الدولية، كشفت تقارير موثقة اليوم الأحد عن قيام جامعة جورج تاون العريقة في العاصمة الأمريكية واشنطن بقطع كافة علاقاتها مع المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز.
وتأتي هذه الخطوة، التي تضمنت إزالة اسمها وصورتها من قوائم الباحثين والزملاء المنتسبين، لتسلط الضوء على تزايد الضغوط السياسية على المؤسسات التعليمية في الولايات المتحدة، وتحول الصراع من الميدان العسكري في غزة إلى أروقة الجامعات والمنظمات الدولية، في محاولة لعزل الأصوات التي توثق الانتهاكات الإسرائيلية.
تفاصيل الإجراء التعسفي: محو الهوية الأكاديمية لألبانيز
بدأت خيوط القضية تتكشف عندما أعلن هيلل نويَر، المدير التنفيذي لمنظمة "رقابة الأمم المتحدة" (UN Watch) المعروفة بتوجهاتها الداعمة لإسرائيل، عن نجاح الضغوط في إزالة ألبانيز من قائمة الباحثين المنتسبين لمعهد دراسات الهجرة الدولية بجامعة جورج تاون.
وأظهرت نسخ مؤرشفة من موقع الجامعة أن صفحة السيرة الذاتية الخاصة بألبانيز، والتي كانت تصفها بـ "الباحثة والمؤلفة المرموقة في قضايا اللاجئين"، قد حُذفت بالكامل في 21 ديسمبر الجاري. هذا "المحو الرقمي" يعكس حالة من الرضوخ الأكاديمي للرواية السياسية السائدة، حيث تم استبدال صفتها كحقوقية دولية باتهامات سياسية تسوقها جماعات الضغط.
صرخة ألبانيز: "العقوبات الأمريكية خذلان كبير وخوف من صحوة الضمير"
في تعليقها الأول على هذا القرار، أعربت فرانشيسكا ألبانيز عن صدمتها، واصفة ما جرى بأنه "خذلان كبير" للمبادئ الأكاديمية. وأكدت في مقابلات صحفية أجرتها مؤخراً، كان آخرها على هامش "منتدى الدوحة 2025"، أن قرار الجامعة هو نتيجة مباشرة للعقوبات التي فرضتها عليها الإدارة الأمريكية في يوليو الماضي.
وأوضحت ألبانيز أن جريمتها الوحيدة هي التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية لتوثيق الجرائم الإسرائيلية. وقالت بمرارة: "لقد كنت ألقي المحاضرات هناك وأشارك في الأبحاث، والآن قُطع كل شيء". واعتبرت أن النظام العالمي الحالي يبدو "ضعيفاً وخائفاً" من صحوة الضمير التي قد تؤدي إلى تغيير واقع الاضطهاد التاريخي في فلسطين.
الهجوم الممنهج: بين اتهامات "روبيو" وقرارات "إسرائيل"
لم يكن قرار جورج تاون وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لحملة شعواء شنتها أطراف متعددة ضد ألبانيز منذ اندلاع حرب الإبادة في 7 أكتوبر 2023.
وزير الخارجية الأمريكي اتهم ألبانيز صراحة بـ "معاداة السامية"، وهو الاتهام الذي يُستخدم عادة لإسكات المنتقدين لسياسات الاحتلال وأعلنت ألبانيز "شخصية غير مرغوب فيها" ومنعتها من دخول الأراضي المحتلة في عام 2024، في محاولة لعرقلة مهمتها الأممية وصفتها "منظمة رقابة الأمم المتحدة" بأنها "مدافعة عن حماس"، في محاولة لنزع الصبغة القانونية والحيادية عن تقاريرها الدولية.
سياق الإبادة الجماعية: لماذا تُحارب ألبانيز الآن؟
تأتي محاولات عزل ألبانيز في وقت يمر فيه قطاع غزة بأبشع فصول التاريخ المعاصر. فمنذ أكتوبر 2023، ارتكبت دولة الاحتلال بدعم عسكري وسياسي أمريكي وأوروبي إبادة جماعية شاملة خلفت أكثر من 239 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء، بالإضافة إلى تدمير البنية التحتية بالكامل والتسبب في مجاعة حقيقية أودت بحياة الكثيرين.
إن ألبانيز، بصفتها مقررة أممية، كانت من أبرز الأصوات التي وصفت ما يحدث بـ "الإبادة" وحملت القوى الدولية مسؤولية الصمت، مما جعلها هدفاً مباشراً لسياسة "اغتيال الشخصية" التي تتبعها القوى الداعمة للاحتلال.
الحرية الأكاديمية في الميزان الأمريكي
يمثل قرار جامعة جورج تاون سابقة خطيرة في تاريخ الحرية الأكاديمية في الولايات المتحدة. فعندما ترضخ جامعة مرموقة لعقوبات سياسية وتلغي انتساب باحثة دولية لمجرد قيامها بعملها الحقوقي، فإن ذلك يرسل رسالة ترهيب لكل الأكاديميين والباحثين.
إن "الخوف من الحقيقة" الذي تحدثت عنه ألبانيز في منتدى الدوحة يتجلى بوضوح في محاولة إخفاء الأدلة القانونية على الانتهاكات، مما يجعل المؤسسات الأكاديمية شريكة صامتة في التغطية على الجرائم الدولية عبر استبعاد من يوثقونها.
تداعيات القرار على التوثيق الحقوقي الدولي
رغم قطع علاقاتها مع جورج تاون، أكدت ألبانيز استمرارها في مهمتها الأممية. ويرى مراقبون أن هذه الضغوط قد تأتي بنتائج عكسية، حيث تسلط الضوء أكثر على تقاريرها التي تصف بدقة واقع الفصل العنصري (الأبارتهايد) والإبادة في فلسطين.
فبينما يسعى الاحتلال وحلفاؤه لطمس معالم الجريمة عبر العقوبات والإقصاء، تبرز ألبانيز كرمز للصمود المهني والحقوقي.
إن النظام العالمي الذي يخشى "صحوة الضمير" يثبت بطلان ادعاءاته حول حقوق الإنسان وحرية التعبير. سيبقى عمل ألبانيز في توثيق جرائم غزة مرجعاً تاريخياً وقانونياً، وستظل صرختها في الدوحة تذكر العالم بأن "الاضطهاد لن ينتهي إلا بمواجهته بالحقيقة"، مهما بلغت شدة الضغوط والخذلان الأكاديمي.








