جاءت كلمة الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في لبنان في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها تداعيات حرب غزة مع واقع ميداني متوتر على الجبهة اللبنانية، يتجسد في الخروقات الإسرائيلية المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار، وفي إعادة فتح ملف الأسرى اللبنانيين عبر وقفة “نداء الحرية”.
خطاب نعيم قاسم وأثره على لبنان
حملت كلمة الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم رسائل متعددة المستويات، جمعت بين البعد التعبوي الداخلي، والرسائل الردعية الموجهة إلى إسرائيل، والتأكيد على الارتباط العضوي بين ساحات المواجهة، من غزة إلى جنوب لبنان. وبحسب ما ورد في الخطاب، فإن الحزب يرى أن ما جرى في غزة لم يكن معركة معزولة، بل محطة مفصلية أعادت رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
وأكد قاسم أن المقاومة لا تقرأ وقف إطلاق النار باعتباره نهاية للصراع، بل مرحلة ضمن صراع مفتوح، محذرًا من أن أي محاولة إسرائيلية لتغيير قواعد اللعبة ستُقابل برد محسوب، لكن حاسم. ويعكس هذا الخطاب تمسك حزب الله بمعادلة “الرد مقابل الخرق”، دون الذهاب نحو تصعيد شامل، ما يشير إلى حرص واضح على إدارة الصراع لا تفجيره.
وقفة الأسرى ورسالة لبنان
تزامن الخطاب مع وقفة “نداء الحرية” للأسرى اللبنانيين، التي أعادت تسليط الضوء على ملف طالما استخدمته المقاومة كورقة ضغط سياسية وأخلاقية. فالوقفة لم تكن مجرد تحرك رمزي، بل جاءت لتأكيد أن ملف الأسرى لا ينفصل عن معادلة الردع، ولا عن الصراع المفتوح مع إسرائيل.
وبحسب منظمي الوقفة، فإن تجاهل إسرائيل لهذا الملف يُعد خرقًا إضافيًا للتفاهمات غير المعلنة، ورسالة استخفاف بحقوق اللبنانيين. ويرى مراقبون أن إعادة إحياء هذا الملف في هذا التوقيت تهدف إلى تعزيز الجبهة الداخلية، وربط البعد الإنساني بالبعد الأمني، بما يمنح المقاومة هامشًا أوسع في تبرير أي تصعيد مستقبلي إذا اقتضت الظروف.
الخروقات الإسرائيلية واتفاق هش
تشهد الحدود الجنوبية للبنان خروقات إسرائيلية متكررة، شملت تحليقات جوية، وقصفًا محدودًا، واستهدافات موضعية، في انتهاك واضح لاتفاق وقف إطلاق النار. ووفق تقارير ميدانية، فإن هذه الخروقات تُدار ضمن سياسة “الضغط دون الانفجار”، بهدف اختبار ردود حزب الله، واستنزافه سياسيًا وأمنيًا.
ويرى محللون أن إسرائيل تحاول استثمار ما بعد غزة لإعادة فرض معادلة ردع جديدة، تقوم على توسيع هامش حركتها في لبنان دون دفع ثمن حرب شاملة. غير أن هذا السلوك، في المقابل، يراكم عوامل الانفجار، خاصة إذا ما تجاوزت الخروقات الخطوط التي يعتبرها حزب الله جوهرية في معادلة الردع.
توازن الردع بعد غزة
أعادت حرب غزة طرح مفهوم توازن الردع بصيغة مختلفة. فإسرائيل خرجت من الحرب وهي تعاني أزمة ثقة داخلية، واهتزازًا في صورتها الردعية، رغم الدعم الأمريكي المباشر سياسيًا وعسكريًا. في المقابل، ترى قوى المقاومة، وفي مقدمتها حزب الله، أن ما جرى عزز من قدرتها على فرض معادلات جديدة، تقوم على وحدة الساحات وتكلفة التصعيد.
لكن هذا التوازن لا يبدو مستقرًا بالكامل، إذ يقوم على إدارة دقيقة للحافة بين الردع والانفجار. فكل خرق إسرائيلي يُقابل برد محسوب، وكل تصعيد يُضبط بسقف يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، في ظل إدراك متبادل لكلفة المواجهة الكبرى.
الدور الأمريكي في لبنان وحدود الضبط
لا يمكن فصل هذا المشهد عن الدور الأمريكي المباشر، الذي يسعى إلى منع توسع الحرب إقليميًا، مع توفير غطاء سياسي وأمني لإسرائيل. هذا الدور يفرض قيودًا على الطرفين: يحدّ من اندفاع إسرائيل نحو حرب مفتوحة، وفي الوقت نفسه يضع ضغوطًا على حزب الله لضبط إيقاع الرد.
غير أن هذا الضبط يظل هشًا، خاصة في ظل استمرار المجازر الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023، وتآكل فرص الحلول السياسية، ما يجعل أي حادث ميداني غير محسوب مرشحًا لكسر هذا التوازن الدقيق.
كلمة نعيم قاسم اليوم
في كلمته، اعتبر قاسم أن الحكومة اللبنانية تقدّم تنازلات مجانية لإسرائيل دون أن تحصل لبنان على أي شيء مقابل ذلك. كما شدّد على أن حزب الله لن يستسلم ولن يركع أمام التهديدات، قائلاً إن المقاومة ستظل قوية وشجاعة مهما كانت الصعوبات والتضحيات، محذّرًا من أن فقدان الجنوب يعني عدم بقاء لبنان كدولة.
اتّهام مشروع نزع السلاح
أكّد قاسم أن ما يُسمّى حصرية السلاح أو نزع سلاح حزب الله هو في الحقيقة “مشروع أميركي إسرائيلي” يهدف إلى إنهاء دور المقاومة، وهو جزء من خطة أوسع للسيطرة على لبنان، حتى لو تم تقديمه في شكل قانوني أو سياسي.
وقال حرفيًا إن لبنان لم يعد مطلوبًا منه أن يقوم بأي إجراء على أي صعيد قبل أن تلتزم إسرائيل بما عليها من تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن التنازلات في الوقت الراهن لا تخدم مصلحة لبنان بل تخدم إسرائيل.
هجوم متواصل وخطة المرحلة القادمة
كما كرّر تأكيده أن المقاومة التزمت بوقف النار، بينما “العدو الإسرائيلي” يستمر في الاعتداءات الجوية والأمنية والبحرية على جنوب لبنان”، مخصّصًا حديثه أيضًا للدعوة إلى وحدة الصف الوطني للحفاظ على السيادة والقرار اللبناني.










