لم يظهر القائد حذيفة الكحلوت، الذي عرفناه على مر أكثر من 20 عاما بكنيته "أبو عبيدة"، الناطق العسكري لكتائب القسام، بوصفه ناطقًا عسكريًا تقليديًا، بل خرج إلى المشهد في لحظة مفصلية من تاريخ الصراع، حين كانت الرواية الإسرائيلية تتسيّد الفضاء الإعلامي وتفرض سرديتها بالقوة والتهويل. ظهوره الأول خلال معركة أيام الغضب في أكتوبر 2004، داخل مسجد النور شمال غزة، مثّل ولادة رمزية لخطاب مقاوم جديد، يجمع بين الصرامة العسكرية والذكاء الإعلامي.
ذلك الظهور لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل تأسيسًا لمرحلة كاملة أعادت تعريف وظيفة المتحدث العسكري. منذ تلك اللحظة، بات الصوت المقنّع جزءًا من معادلة الردع، وتحول الخطاب إلى ساحة اشتباك موازية لا تقل أهمية عن الميدان، في سياق صراع طويل تُحسم فيه المعارك أحيانًا بالكلمة قبل الرصاصة.
حذيفة الكحلوت.. الهوية والغموض
تعمد القائدَ الكبير الشهيد حذيفة سمير عبد الله الكحلوت “أبو إبراهيم”، الناطق العسكري باسم كتائب القسام، إخفاء وجهه خلف الكوفية، ليس بدافع أمني فقط، بل كخيار استراتيجي واعٍ. الغموض هنا لم يكن فراغًا، بل أداة تعبئة، جعلت من الشخصية رمزًا جمعيًا يتجاوز الفرد، ويُسقط محاولات الاغتيال المعنوي التي دأبت عليها أجهزة الاحتلال.

فشلت محاولات الموساد والشاباك في كسر هذا الغموض، رغم حملات التشويه ونشر الصور المزعومة. ومع كل فشل إسرائيلي، كانت أسطورة أبو عبيدة تتعزز، ويتحوّل اللثام إلى راية، والغياب إلى حضور طاغٍ في الوعي الفلسطيني والعربي.
مؤسسة إعلامية كاملة
لم يكن أبو عبيدة - حذيفة الكحلوت مجرد صوت يقرأ البيانات، بل شكّل بمرور الوقت مؤسسة إعلامية مستقلة داخل بنية المقاومة. هندس خطابًا متماسكًا، ثابت المصطلحات، واضح الأهداف، يخاطب جمهوره بثقة ويُربك خصمه بدقة.
استطاع عبر هذا الخطاب أن يخلق معجمًا نضاليًا جديدًا تسلّل إلى الإعلام والسياسة، مثل توصيف الاحتلال بـ"الكيان الهش" و"أوهن من بيت العنكبوت". هذه اللغة لم تكن شعارات، بل أدوات تفكيك نفسي لرواية التفوق الإسرائيلي، زرعت الشك في وعي جمهور العدو قبل أن تزرع الأمل في صفوف المقاومة.
الحرب النفسية المركزة
قاد أبو عبيدة - حذيفة الكحلوت حربًا نفسية عالية الاحتراف، استهدفت المستوطنين والجنود والقادة السياسيين والعسكريين على حد سواء. خاطب المستوطن بوصفه كيانًا بلا جذور، وزرع في الجندي شعور المطاردة الدائمة داخل ما سُمّي بـ"أشباح غزة"، وكشف تناقضات القادة الإسرائيليين بين الخطاب والواقع.
هذه الحرب النفسية لم تعتمد التهويل، بل المعلومة الدقيقة والتوقيت المحسوب. كان البيان العسكري يأتي غالبًا بعد تحقق الوقائع على الأرض، ما جعل الصدمة مضاعفة، ورسّخ صورة المقاومة كقوة تعرف ما تفعل وتقول ما تعرف.
المصداقية الصلبة
الميزة الأخطر في تجربة أبو عبيدة - حذيفة الكحلوت تمثلت في المصداقية. لم تُسجل عليه بيانات مضللة أو وعود غير متحققة، وهو ما دفع الإعلام الإسرائيلي ذاته إلى التعامل مع تصريحاته بجدية، وترجمتها ونقلها رغم العداء.
هذه المصداقية تحولت إلى رأس مال استراتيجي للمقاومة، إذ باتت كلمته تُقرأ كوثيقة ميدانية، وأصبح خصومه يترقبون خطابه لمعرفة ما يجري فعليًا، في مشهد نادر تنقلب فيه معادلة الثقة داخل الصراع.
ملف الأسرى الاستراتيجي
شكّل إعلان أسر الجندي جلعاد شاليط عام 2006 لحظة فارقة، ليس فقط عسكريًا، بل إعلاميًا وسياسيًا. كان أبو عبيدة - حذيفة الكحلوت أول من أعلن الصفعة، وأدار ملفها بخطاب محسوب قاد في النهاية إلى صفقة تبادل تاريخية أُفرج بموجبها عن 1027 أسيرًا فلسطينيًا.
تكرر المشهد عام 2014 مع إعلان أسر شاؤول آرون، في ذروة العدوان على غزة. حينها، لم يكن الإعلان مجرد خبر، بل ضربة مباشرة لخطاب الجيش الإسرائيلي الذي أنكر خسائره، وأُجبر لاحقًا على الاعتراف بما حاول نفيه.
طوفان الأقصى إعلاميًا
بعد السابع من أكتوبر 2023، بلغ تأثير أبو عبيدة - حذيفة الكحلوت ذروته. تحوّل إلى الصوت الأبرز للمعركة، وخطاباته المتتالية رسمت خريطة فهم لما يجري على الأرض، في ظل تعتيم غربي وتضليل إسرائيلي واسع.

لم تقتصر رسائله على كشف الخسائر، بل طمأنة الداخل الفلسطيني، ومخاطبة الرأي العام العالمي بلغة كرامة وثقة. في تلك المرحلة، لم يكن مجرد ناطق، بل قائد جبهة إعلامية موازية لمعركة غير مسبوقة.
مواجهة الدعاية الغربية
وجد أبو عبيدة - حذيفة الكحلوت نفسه في مواجهة آلة دعائية صهيونية مدعومة غربيًا، تستخدم المنصات الكبرى للحذف والتشويه. ومع ذلك، نجح في ابتكار قنوات بديلة، مستفيدًا من تليغرام وغيره، ليحافظ على تواصل مباشر مع مئات الآلاف.
هذا الالتفاف على الحصار الرقمي كشف عجز الرقابة الغربية عن إسكات الخطاب المقاوم، وأكد أن المعركة الإعلامية لم تعد حكرًا على المنصات التقليدية، بل تُدار بالمرونة والابتكار.
الاغتيال كسلاح نفسي
تكررت الادعاءات الإسرائيلية باغتيال أبو عبيدة - حذيفة الكحلوت أعوام 2006 و2008 و2012 و2014، ثم في أكتوبر 2023، في إطار حرب نفسية موجهة. كان الهدف رفع معنويات المستوطنين، وبث اليأس في الشارع الفلسطيني، وتسويق إنجازات وهمية للحلفاء الغربيين.
في المقابل، اعتمدت المقاومة سياسة الغموض، فلا تأكيد ولا نفي فوري. هذه الاستراتيجية عمّقت الارتباك داخل المنظومة الإسرائيلية، وأبقت زمام المبادرة بيد المقاومة، حتى في ميدان الإعلام.
الأبعاد الاستراتيجية
جمع أبو عبيدة - حذيفة الكحلوت بين البعدين العسكري والإعلامي، فحوّل المتحدث إلى قائد جبهة، يمتلك المعلومة ويختار لحظة كشفها. هذا الدمج أعاد تعريف الاتصال العسكري في حركات التحرر، ورفع سقف تأثير الخطاب المقاوم.
على المستوى النفسي، أعاد الثقة للملايين، وصنع حاضنة شعبية عابرة للحدود، فيما على المستوى الرمزي، تحوّل إلى أيقونة ثقافية تمتد جذورها إلى رموز النضال الفلسطيني التاريخية، مع خصوصية عصر الصورة والفضاء الرقمي.
العقيدة والرسالة
ارتكز خطاب أبو عبيدة - حذيفة الكحلوت على ربط النضال الوطني بالبعد العقائدي، دون انفصال بين الأرض والهوية. ختم بياناته بعبارة "وإنه لجهاد.. نصر أو استشهاد" لم يكن تكرارًا شعاريًا، بل تعبيرًا عن رؤية ترى في التضحية طريقًا للتحرير.
بهذا الخطاب، رسّخ معنى أن الموت في سبيل القضية أسمى من حياة تحت الاحتلال، وأن المعركة ليست على حدود الجغرافيا فقط، بل على تعريف الكرامة والوجود.
الشهيد حذيفة الكحلوت.. إرث لا يُغتال
ارتقى القائد حذيفة الكحلوت المكنى بـ"أبو عبيدة" لكن تأثيره مستمر، فقد تجاوز كونه فردًا ليصبح مدرسة متكاملة في الحرب النفسية والتواصل الاستراتيجي وبناء الرمز الثوري. محاولات الاحتلال المتكررة لاستهدافه، وصولا إلى استشهاده، لم تفعل سوى تأكيد حجم الخسارة المعنوية التي ألحقها بالكيان الصهيوني.
سيبقى أبو عبيدة جيشًا إعلاميًا، وصوتًا للحق، وتجسيدًا لقدرة الكلمة على هزيمة الرواية المدججة بالسلاح. وتظل عبارته الخالدة تعبيرًا عن مسار اختاره شعب يرفض الذل: وإنه لجهاد.. نصر أو استشهاد.










