21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

المكلا تشعل الانقسام: صدام سعودي-إماراتي يهدد وحدة اليمن

التداعيات المحتملة لهذا الصدام السياسي–العسكري تتجاوز حدود حضرموت والمهرة، لتطال جوهر وحدة اليمن. فتكريس منطق المناطق والنفوذ، وتعدد الجيوش والولاءات، يهدد بتحويل البلاد إلى كانتونات متصارعة.

بقلم: عمرو المصري
٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
13 مشاهدة
ضربة المكلا تكشف الصراع الخفي بين الرياض وأبوظبي في اليمن

ضربة المكلا تكشف الصراع الخفي بين الرياض وأبوظبي في اليمن

لم يكن إعلان تحالف دعم الشرعية استهداف شحنات أسلحة في ميناء المكلا حدثًا عسكريًا عابرًا، بل شكّل نقطة تحوّل خطيرة في مسار الصراع اليمني، خصوصًا أنه جاء في قلب مناطق تُعد حتى وقت قريب بعيدة نسبيًا عن خطوط الاشتباك الساخنة. فالمكلا، بوصفها شريانًا بحريًا استراتيجيًا في حضرموت، تحوّلت فجأة إلى ساحة مواجهة مفتوحة، ما يعكس انتقال الصراع من هوامشه التقليدية إلى عمقه الجغرافي والسياسي.

التحذير الصريح بإخلاء الميناء، ثم تنفيذ ضربة وُصفت بـ«المحدودة»، حمل رسائل متعددة الاتجاهات. فمن جهة، أراد التحالف التأكيد على أنه لن يسمح بتغيير موازين القوى في الشرق عبر دعم عسكري خارج الأطر الرسمية، ومن جهة أخرى، وجّه إنذارًا مبكرًا بأن خطوط التماس داخل معسكر «الشرعية» نفسها باتت قابلة للاشتعال، إذا استمر منطق فرض الوقائع بالقوة.

سلاح بلا تصاريح

المعطيات التي كشفها المتحدث باسم التحالف حول وصول سفينتين من ميناء الفجيرة إلى المكلا دون تصاريح رسمية، وتعطيل أنظمة التتبع، وإنزال أسلحة وعربات قتالية، تفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول طبيعة الدور الإقليمي في شرق اليمن. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بخرق إجراءات عسكرية، بل بتحدٍ مباشر لمنظومة التحالف نفسها ولقرار مجلس الأمن رقم 2216.

لقطة من شريط فيديو نشره التحالف توثق المعدات العسكرية التي استهدفتها الضربة المحدودة (التحالف)
لقطة من شريط فيديو نشره التحالف توثق المعدات العسكرية التي استهدفتها الضربة المحدودة (التحالف)


 

الأخطر في هذه التطورات أن السلاح، وفق الرواية الرسمية للتحالف، لم يكن موجّهًا لجبهة الحوثيين، بل لدعم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة. هذا التحول في وجهة الدعم يعكس إعادة رسم للأولويات، ويضع الصراع الداخلي الجنوبي في صدارة المشهد، على حساب الهدف المعلن للتحالف منذ تدخله، وهو استعادة الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب الحوثي.

قرار العليمي الصدامي

قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إعلان حالة الطوارئ، وفرض حظر جوي وبحري وبري، ثم توجيه إنذار صريح بخروج القوات الإماراتية خلال 24 ساعة، مثّل تصعيدًا سياسيًا غير مسبوق منذ تشكيل المجلس. هذه الخطوات عكست إدراكًا رسميًا بأن ما يجري في الشرق لم يعد مجرد «سوء تفاهم» بين شركاء، بل تهديد مباشر لوحدة البلاد وسيادتها.

لغة العليمي جاءت حازمة، وتحدثت بوضوح عن «تمرد» و«فتنة داخلية» ومحاولات تقسيم، ما يعني أن القيادة الرئاسية قررت نقل الصراع من الكواليس الدبلوماسية إلى العلن. هذا التحول يكشف أن ميزان القوى داخل معسكر الشرعية لم يعد مستقرًا، وأن الغطاء السياسي للتدخلات الإقليمية بات محل مراجعة جذرية.

موقف سعودي حاسم

البيان السعودي الذي وصف خطوات الإمارات بأنها «بالغة الخطورة» شكّل بدوره منعطفًا لافتًا في العلاقة بين ركني التحالف. فالسعودية، التي طالما حاولت إدارة التباينات مع أبوظبي خلف الأبواب المغلقة، اختارت هذه المرة توجيه انتقاد علني، وربط التصعيد في حضرموت والمهرة بتهديد مباشر لأمنها الوطني.

تأكيد الرياض أن أمنها «خط أحمر»، ودعمها الصريح للعليمي، مع التشديد على خروج القوات الإماراتية ووقف أي دعم عسكري داخلي، يعكس خشية سعودية حقيقية من انزلاق شرق اليمن إلى فوضى مفتوحة على حدودها. كما يؤشر إلى بداية تصدع استراتيجي في التحالفات، حيث لم تعد المصالح متطابقة كما كانت في سنوات التدخل الأولى.

الانتقالي والمغامرة

رفض المجلس الانتقالي الجنوبي الانسحاب من حضرموت والمهرة، واستمراره في التحركات العسكرية، يضعه أمام اختبار وجودي حاسم. فالتقارير الحقوقية التي تتحدث عن انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، من اعتقالات تعسفية إلى إخفاء قسري، لا تضيف فقط عبئًا أخلاقيًا وقانونيًا، بل تُضعف شرعيته السياسية أمام الداخل والخارج.

المغامرة في الشرق، بحسب تقديرات مراقبين، قد تحوّل «الانتقالي» من شريك داخل معسكر الشرعية إلى عامل تفجير للاستقرار. فحضرموت والمهرة ليستا ساحتين قابلتين للحسم السريع، وأي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة ستستجلب رفضًا محليًا وإقليميًا ودوليًا، وتفتح الباب أمام صدام واسع لا يملك المجلس أدوات التحكم في مآلاته.

تحول موازين التحالفات

مجمل التطورات تشير بوضوح إلى أن اليمن يشهد لحظة إعادة تموضع في موازين التحالفات. التباين السعودي–الإماراتي خرج إلى العلن، ومجلس القيادة الرئاسي يحاول تثبيت سلطته في مواجهة قوى مسلحة كانت تُحسب حتى وقت قريب ضمن «المعسكر نفسه». هذا المشهد يعكس انتقال الصراع من ثنائية «شرعية–حوثي» إلى تعددية نزاعات داخلية تتقاطع فيها الأجندات الإقليمية.

اليمن السعودية الإمارات
من التحالف إلى الصدام: حضرموت تختبر نهاية التفاهم السعودي-الإماراتي


 

هذا التحول يضع مستقبل التحالف العربي أمام اختبار صعب: إما إعادة تعريف أهدافه وأدواته بما يضمن وحدة القرار، أو الانزلاق إلى صراع نفوذ مفتوح يبدد ما تبقى من فكرة «الشرعية» الجامعة. وفي الحالتين، يبدو أن مرحلة ما بعد المكلا لن تكون كما قبلها.

وحدة اليمن المهددة

التداعيات المحتملة لهذا الصدام السياسي–العسكري تتجاوز حدود حضرموت والمهرة، لتطال جوهر وحدة اليمن. فتكريس منطق المناطق والنفوذ، وتعدد الجيوش والولاءات، يهدد بتحويل البلاد إلى كانتونات متصارعة، ويقوض أي مسار مستقبلي لحل سياسي شامل.

في ظل هذا المشهد، يصبح السؤال الجوهري ليس فقط عن مآلات التصعيد الراهن، بل عن قدرة الدولة اليمنية على الصمود أصلًا. فاستمرار التوتر شرقي البلاد، إذا لم يُحتوَ سريعًا، قد يفتح جبهة داخلية جديدة تضاف إلى حرب لم تنتهِ بعد، وتدفع اليمن خطوة إضافية نحو التفكك، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

المكلا تشعل الانقسام: صدام سعودي-إماراتي يهدد وحدة اليمن - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°