20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. محمد الصاوي يكتب: أبو عبيدة لم يغب.. القناع ينتقل والصوت واحد

لم يكن ظهور متحدث جديد باسم “أبو عبيدة” — وبنبرة تكاد تتطابق مع السابق — مجرد ردّ فعل عاطفي أو إجراء تنظيمي عابر، بل رسالة استراتيجية.

بقلم: د. محمد الصاوي
٣١ ديسمبر ٢٠٢٥
7 دقائق قراءة
29 مشاهدة
أبو عبيدة المتحدث باسم «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس» (أرشيفية - إ.ب.أ).jpeg

أبو عبيدة المتحدث باسم «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس» (أرشيفية - إ.ب.أ).jpeg

في صراعات التحرر الطويلة، لا تُقاس النتائج بعدد الاغتيالات بقدر ما تُقاس بقدرة الخطاب على التحول إلى معنى مستدام في الوعي الجمعي العالمي. من هذا المنظور، لم يكن ظهور متحدث جديد باسم “أبو عبيدة” — وبنبرة تكاد تتطابق مع السابق — مجرد ردّ فعل عاطفي أو إجراء تنظيمي عابر، بل رسالة استراتيجية تؤكد أن ما استُهدف لم يكن شخصًا بعينه، وإنما وظيفة رمزية وخطابية جرى إعدادها مسبقًا لتكون قابلة للانتقال والاستمرار.

لقد أثبتت دراسات النزاعات غير المتكافئة أن اغتيال الرموز في الحركات غير الدولتية غالبًا ما يحقق مكاسب تكتيكية قصيرة الأجل، لكنه نادرًا ما يُنهي الخطاب أو يُفكك البنية الرمزية للحركة. في هذا الإطار، تحوّل “أبو عبيدة” من فرد إلى اسم وظيفي، ومن ناطق عسكري إلى فاعل سردي في معركة الوعي، حيث يتقدّم المعنى على الجسد، وتبقى الرسالة فاعلة حتى مع تغيّر حاملها.

الجيل الرقمي وحرب السرديات: حين تتفوّق المنصات على المدافع

لم تعد الساحة الإعلامية المعاصرة حكرًا على القنوات التقليدية أو البيانات الرسمية، بل انتقلت مركزية التأثير إلى الفضاء الرقمي، حيث تتصارع الروايات على انتباه الأجيال الشابة. في هذا السياق، أظهرت تحليلات رقمية أجرتها مؤسسات بحثية غربية أن المحتوى المؤيد للفلسطينيين على منصة TikTok يتفوّق عدديًا وبفارق كبير على المحتوى المؤيد لإسرائيل. إحدى الدراسات الأكاديمية أشارت إلى أن نسبة المنشورات المؤيدة للفلسطينيين تفوق نظيرتها المؤيدة لإسرائيل بنحو 17 إلى 1، وهو فارق لافت في ميزان السرد الرقمي.

هذا التفوق لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بطبيعة المحتوى نفسه، حيث يُقدَّم الصراع بوصفه قضية حقوق إنسان ومعاناة مدنية أكثر من كونه ملفًا أمنيًا مجردًا. هنا، لم يعد “أبو عبيدة” مجرد متحدث باسم فصيل مسلح، بل رمزًا يُعاد إنتاجه داخل خيال رقمي عالمي، خصوصًا لدى فئات لم تعايش الصراع تاريخيًا، لكنها تتفاعل معه عبر مقاطع قصيرة وصور مكثفة تُعيد تعريف البطولة والمظلومية.

الردع النفسي وحدود استراتيجية “قطع الرأس”

في الأدبيات الأمنية الغربية، تُعرف سياسة اغتيال القادة باسم Leadership Decapitation Strategy. وتشير دراسات صادرة عن مراكز أبحاث مرموقة إلى أن هذه الاستراتيجية تفشل في نحو نصف الحالات على الأقل في تحقيق أهدافها بعيدة المدى، بل قد تؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية، أبرزها تعزيز التماسك الداخلي للحركة وتحويل القائد المُغتال إلى رمز مؤسِّس.

في الحالة الفلسطينية، يُظهر استمرار الخطاب باسم “أبو عبيدة” أن الرهان على إسكات الصوت عبر تغييب الجسد لم يحقق هدفه. بل إن تطابق النبرة والإيقاع والمفردات يعكس حربًا نفسية معاكسة، تهدف إلى إرباك الخصم، وتأكيد أن البنية التنظيمية قادرة على التعويض الفوري، وأن الاغتيال لا يكسر المعادلة بل يعيد إنتاجها بصيغة أكثر تجريدًا وتأثيرًا.

الذاكرة الجمعية وصناعة الشهادة: من الغياب إلى الحضور الطويل

من منظور علم الاجتماع السياسي، لا تُعدّ الشهادة نهاية للدور، بل بداية لمرحلة جديدة من التأثير. تشير نظريات الذاكرة الجمعية إلى أن تكرار استحضار الرموز والشهداء يحوّلهم من أفراد إلى نماذج تمثيلية للهوية والقيم. بهذا المعنى، لم يعد “أبو عبيدة” اسمًا مرتبطًا بسيرة ذاتية، بل جزءًا من سردية ممتدة تُغذّي الوعي الجمعي وتمنحه إطارًا أخلاقيًا ومعنويًا للاستمرار.

متظاهرون أتراك يحملون صورة «أبو عبيدة» خلال زيارة وزير الخارجية الأميركي السابق أنتوني بلينكن لأنقرة في نوفمبر 2023 (أ.ف.ب).jpeg
متظاهرون أتراك يحملون صورة «أبو عبيدة» خلال زيارة وزير الخارجية الأمريكي السابق أنتوني بلينكن لأنقرة في نوفمبر 2023 (أ.ف.ب).jpeg

 

إن تحويل الاسم إلى رتبة أو وظيفة خطابية يضمن أن الغياب البيولوجي لا يتحول إلى فراغ سياسي أو نفسي، بل إلى حضور رمزي طويل الأمد، يُستدعى في كل مواجهة، ويُعاد شحنه بمعانٍ جديدة تتجاوز لحظة الاغتيال ذاتها.

الرأي العام الغربي: أرقام تكشف تآكل السردية التقليدية

تكشف استطلاعات الرأي في أوروبا الغربية عن تحوّل حاد في المزاج العام تجاه إسرائيل وسلوكها العسكري. ففي استطلاع أجرته مؤسسة YouGov عام 2025 في ست دول أوروبية كبرى، قال 13٪ إلى 21٪ فقط من المشاركين إن لديهم نظرة إيجابية تجاه إسرائيل، مقابل 63٪ إلى 70٪ عبّروا عن مواقف سلبية أو غير متعاطفة. والأكثر دلالة أن 6٪ فقط من الإيطاليين و12٪ من البريطانيين و16٪ من الفرنسيين اعتبروا العمليات العسكرية الإسرائيلية “متناسبة” أو “مبرَّرة”.

كما أظهر الاستطلاع أن ما بين 18٪ و33٪ من الأوروبيين باتوا يميلون صراحة إلى الرواية الفلسطينية أكثر من الإسرائيلية، وهو تحول غير مسبوق في مجتمعات طالما انحازت تاريخيًا إلى السرد الإسرائيلي. هذه الأرقام تعني أن الاغتيالات لم تعد تُستقبل بوصفها إنجازات أمنية، بل كجزء من أزمة أخلاقية أوسع تضع إسرائيل في موقع دفاعي سرديًا.

الرأي العام الأمريكي: انقسام عمري وتراجع في الثقة

في الولايات المتحدة، تشير بيانات Pew Research Center إلى أن 56٪ من الأمريكيين يحملون نظرة إيجابية تجاه الإسرائيليين، مقارنة بـ 64٪ قبل الحرب، ما يعكس تراجعًا واضحًا خلال فترة زمنية قصيرة. في المقابل، قال 59٪ من الأمريكيين إن لديهم نظرة سلبية تجاه الحكومة الإسرائيلية الحالية.

الأهم من ذلك هو البعد العمري؛ إذ تُظهر البيانات أن الأمريكيين دون سن الثلاثين ينتقدون السياسات الإسرائيلية بفارق يتجاوز 20 نقطة مئوية مقارنة بالفئات الأكبر سنًا. هذا الانقسام يُضعف قدرة الاغتيالات على كسب التعاطف الشعبي، ويحوّلها — خاصة لدى الشباب — إلى دليل إضافي على فشل المقاربة العسكرية في إنهاء الصراع.

الجامعات الغربية: مؤشر إنذار مبكر لتحولات أعمق

تُعدّ الجامعات في الغرب مختبرًا مبكرًا لاتجاهات الرأي العام المستقبلية. وخلال عامي 2024–2025، شهدت أكثر من 40 جامعة أمريكية كبرى احتجاجات طلابية تطالب بوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن استهداف المدنيين. تاريخيًا، شكّلت الحركات الطلابية مقدمة لتحولات كبرى في السياسات العامة، كما حدث خلال حرب فيتنام.

في هذا السياق، لم يُنظر إلى اغتيال رموز المقاومة في هذه البيئات بوصفه “ضرورة أمنية”، بل كعلامة على مأزق أخلاقي وسياسي أعمق، ما أسهم في تعزيز السردية النقدية بدل تقويضها.

 خاتمة

في زمن تتداخل فيه القوة الصلبة مع القوة الناعمة، لا تنتصر فقط الأطراف التي تُتقن استخدام السلاح، بل تلك التي تحسن إدارة المعنى عبر الزمن والفضاء. من هذا المنظور، لم يعد “أبو عبيدة” اسمًا لشخص يمكن اغتياله، بل خطابًا مفتوحًا يتجدد مع كل محاولة لإسكاته. وإذا كان الجسد قد غاب، فإن القناع انتقل، والصوت — في الوعي الجمعي، والفضاء الرقمي، ومعادلات الردع النفسي، والرأي العام الغربي — بقي واحدًا.

المراجع

‏YouGov (2025) Net favourability towards Israel reaches new lows in key Western European countries, YouGov EuroTrack, 12–26 May. Available at: https://yougov.co.uk/international/articles/52279-net-favourability-towards-israel-reaches-new-lows-in-key-western-european-countries?tblci=GiDT4MahLYg8h6go3juFxMrJgKmiWCRSJshTmr4kvRWeESCWjFAos6jMkpnLu_50 (Accessed: 28 Dec. 2025).  

‏Pew Research Center (2025) How Americans view the Israel-Hamas conflict 2 years into the war, Pew Research Center, 3 Oct. Available at: https://www.pewresearch.org/politics/2025/10/03/how-americans-view-the-israel-hamas-conflict-2-years-into-the-war/ (Accessed: 28 Dec. 2025).  

‏Northeastern University (2025) TikTok pro-Palestinian posts research, Northeastern Global News, 10 Oct. Available at: https://news.northeastern.edu/2025/10/10/tiktok-palestine-posts-israel-hamas-war-research/ (Accessed: 28 Dec. 2025).

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد الصاوي

التعليقات

1

أضف تعليقك

0/1000

جميع التعليقات (1)

بلال سوريا

2 أسابيع

الله يوفقك يا مدحت

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد الصاوي يكتب: أبو عبيدة لم يغب.. القناع ينتقل والصوت واحد - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°