مع مطلع عام 2026، تدخل إسرائيل مرحلة ضريبية جديدة محمّلة بتعديلات واسعة تدخل حيّز التنفيذ اعتبارًا من 1 يناير، في توقيت بالغ الحساسية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. هذه التعديلات، التي تروّج لها حكومة الاحتلال بوصفها أدوات تحفيز للهجرة ودعمًا للطبقة الوسطى وتقديرًا للخدمة العسكرية، تأتي في الواقع على وقع أزمة بنيوية عميقة خلّفتها أكثر من عامين من الحرب متعددة الجبهات منذ 7 أكتوبر 2023.
وتكشف القراءة التحليلية لهذه التعديلات عن استراتيجية حكومية تحاول إدارة الانهيار لا معالجته، عبر مزيج انتقائي من الحوافز الضريبية من جهة، وزيادات غير مباشرة في الأعباء على المواطنين من جهة أخرى، بما يهدد بتعميق الفجوات الاجتماعية ورفع منسوب الغضب الشعبي.
إسرائيل واقتصاد ما بعد الحرب
يبدأ عام 2026 والاقتصاد الإسرائيلي في واحدة من أضعف حالاته منذ عقود، بعد أن بدّد العدوان الطويل على غزة وتوسّعه الإقليمي ما راكمته إسرائيل سابقًا من “مناعة اقتصادية” مزعومة. ووفق تقرير “حالة الأمة 2025” الصادر عن مركز تاوب، قفز الإنفاق العسكري قفزات غير مسبوقة، مضيفًا 23 مليار شيكل في 2023، ثم 107 مليارات شيكل في 2024، إضافة إلى 31 مليار شيكل ضمن موازنة 2025 التي بلغت 136 مليار شيكل.
هذا الانفجار في الإنفاق دفع نسبة الدين العام الإسرائيلي إلى الناتج المحلي من 61% في 2023 إلى قرابة 70% بنهاية 2024، مع زيادة سنوية في مدفوعات الفوائد تُقدّر بنحو 8 مليارات شيكل، وعجز مالي بلغ 5.2% من الناتج المحلي في 2025، وسط توقعات بتراجعه شكليًا فقط بفعل الإيرادات الضريبية لا الإصلاحات البنيوية.
نمو هش ومشروط
ورغم توقّع منظمة OECD تسارع النمو من 3.3% في 2025 إلى 4.9% في 2026، فإن هذا التفاؤل يبقى مشروطًا باستمرار وقف إطلاق النار في غزة والإفراج عن الأسرى، مع تحذيرات صريحة من مخاطر التدهور الجيوسياسي. كما أن الإنتاجية الإسرائيلية لا تزال نقطة ضعف مزمنة، حيث يقل الناتج لكل عامل بنسبة 12% عن المتوسط الأوروبي، وبنحو 30% في الإنتاجية بالساعة، نتيجة طول ساعات العمل وضعف الاستثمار الرأسمالي.
ورغم تسجيل نمو قوي في الربع الثالث من 2025 بنسبة سنوية بلغت 12.4% عقب المواجهة مع إيران، فإن النمو السنوي بقي بحدود 3% فقط، ما يعكس تعافيًا ظرفيًا لا تحولًا هيكليًا، خاصة في ظل تراجع الاستثمارات وتهديد “هجرة العقول” في قطاع التكنولوجيا الفائقة الذي يشكّل أكثر من نصف صادرات إسرائيل.
تكلفة المعيشة
تتفاقم الأزمة الاقتصادية بفعل ارتفاع حاد في تكاليف المعيشة، حيث تفوق الأسعار في إسرائيل نظيراتها في أوروبا بنسبة 13%، مع ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية بنسبة 40% والإسكان بنسبة 20%، نتيجة ضعف المنافسة وقيود الاستيراد وضيق السوق. ويحذّر معهد INSS من أن استمرار الإنفاق العسكري دون إصلاحات قد يرفع نسبته إلى 30% من الناتج المحلي، مستحضرًا إخفاقات ما بعد حرب 1973.
تعديلات 2026 الضريبية
في هذا السياق المأزوم، تطرح حكومة الاحتلال حزمة تعديلات ضريبية متعددة الأهداف، تسعى ظاهريًا إلى دعم التعافي الاقتصادي بعد الحرب، لكنها عمليًا تعكس محاولات موازنة العجز عبر تحميل المجتمع كلفة الاستنزاف العسكري.
تحفيز الهجرة
أبرز هذه التعديلات يتمثل في إعفاءات ضريبية مؤقتة للمهاجرين الجدد والمقيمين العائدين بعد غياب عشر سنوات أو أكثر. وينص التعديل على فرض ضريبة صفرية على الدخل المكتسب داخل إسرائيل حتى سقف مليون شيكل سنويًا خلال عامي 2026–2027، قبل أن ينخفض السقف تدريجيًا حتى 150 ألف شيكل في 2030.
وبالتوازي، تُلغى ميزة عدم الإبلاغ عن الأصول الخارجية اعتبارًا من 01 يناير 2026، ما يلزم القادمين الجدد بالإفصاح الكامل عن دخولهم وممتلكاتهم عالميًا منذ اليوم الأول، في تحول واضح نحو تشديد الرقابة المالية بذريعة الشفافية وتقليص العجز.
خدمة الاحتياط
وللمرة الأولى، يحصل جنود الاحتياط القتاليون على نقاط استحقاق ضريبية بناءً على أيام خدمتهم في 2025، تبدأ من نصف نقطة لمن خدموا 30 يومًا، وتصل إلى 4 نقاط لمن تجاوزت خدمتهم 110 أيام، بما يعادل إعفاءات سنوية قد تصل إلى أكثر من 11 ألف شيكل.
وتُقدَّم هذه الخطوة بوصفها استجابة لضغط اجتماعي متصاعد داخل المجتمع الإسرائيلي حول “عدالة تقاسم الأعباء”، في ظل إنهاك واسع لقوات الاحتياط واستنزافها على أكثر من جبهة.
الطبقة الوسطى
تشمل التعديلات توسيع شرائح ضريبة الدخل للطبقة الوسطى، بما يخفّض العبء الضريبي على من تتراوح دخولهم الشهرية بين 16 و25 ألف شيكل، محققًا وفورات شهرية تتراوح بين 400 و800 شيكل لبعض الفئات.
لكن في المقابل، أبقت الحكومة على تجميد الشرائح الضريبية حتى 2027، دون ربطها بالتضخم الذي يقدّر بنحو 2.6%، ما يعني عمليًا زيادة ضريبية صامتة بنحو 3% على جميع الشرائح.
إجراءات إضافية
تتضمن الحزمة رفع الإعفاءات على المعاشات التقاعدية تدريجيًا، والإبقاء على ضريبة القيمة المضافة عند 18%، مع قفزة حادة في ضريبة شراء السيارات الكهربائية إلى 48%، ما يفرغ الخطاب البيئي من مضمونه الاجتماعي.
كما تُفرض إجراءات امتثال رقمي إلزامية اعتبارًا من أبريل 2026، وضرائب جديدة على الأراضي غير المستغلة، ورفع الضريبة الإضافية على أرباح رأس المال للفئات الأعلى دخلًا، في مسعى لتعويض النزيف المالي.
إدارة أزمة لا خطة إنقاذ
تعكس هذه التعديلات سياسة “إدارة أزمة” أكثر من كونها خطة إنقاذ شاملة. فالحوافز الموجهة للهجرة تهدف إلى سد فجوات رأس المال البشري وتعويض التآكل في قطاع التكنولوجيا، فيما تسعى الامتيازات الممنوحة للاحتياط إلى الحفاظ على الجاهزية العسكرية دون توسيع الميزانية الدفاعية أكثر.
غير أن تجميد الشرائح ورفع الضرائب غير المباشرة ينقل العبء تدريجيًا إلى المجتمع، مهددًا بتآكل الدخول الحقيقية وتعميق الإحباط الشعبي، خاصة في ظل تجاهل فجوات الاستثمار والبنى التحتية وإقصاء شرائح واسعة كاليهود الحريديم والعرب الفلسطينيين داخل أراضي 48.
توتر اجتماعي
تأتي هذه السياسات في مناخ اجتماعي شديد التوتر، مع تصاعد الاحتجاجات على الإعفاءات من الخدمة العسكرية، واتساع فجوة عدم المساواة، وتآكل الثقة بالمؤسسات. وتُظهر استطلاعات الرأي حالة إنهاك جماعي وتساؤلات متزايدة حول كلفة إنقاذ “الاستقرار” في 2025 على حساب أعباء 2026 وما بعدها.
يدخل الاقتصاد عام 2026 في "نقطة حساسة للغاية"، وفقًا لتقرير "حالة الأمة 2025" الصادر عن مركز تاوب، والذي حلل التداعيات الاقتصادية الكلية لعامين من الحرب إلى جانب نقاط الضعف الهيكلية طويلة الأمد.
حذّر التقرير، الذي صدر يوم الاثنين، من أن الارتفاع الحاد في الإنفاق الدفاعي، إلى جانب مستويات الدين المرتفعة أصلاً، قد يأتي على حساب الخدمات المدنية الأساسية. وأضاف التقرير أن هذا قد يضر أيضاً بالاستثمار العام ما لم تعد البلاد إلى مسار النمو الاقتصادي السريع.
كما يتوقع محللو منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انتعاشاً، لكنهم يحذرون من المخاطر الناجمة عن التنظيمات الصارمة والأعباء الضريبية، ويشيرون إلى أن تعديلات مثل تخفيف شرائح الضرائب يمكن أن تساعد في التعافي إذا اقترنت بالاستقرار.
فيما يرى معهد الدراسات الأمنية والاستراتيجية (INSS) أن استمرار الإنفاق العسكري دون دمج الفئات المهمشة يهدد بتفكك اجتماعي طويل الأمد. ويؤكد المعهد على دمج الفئات المهمشة للحفاظ على النمو، محذراً من أن الإنفاق الدفاعي غير المقيد قد يؤدي إلى انقسامات مجتمعية وركود اقتصادي.
وفي تقرير صادر عن جامعة رانين حول تحديات الفترة 2025-2035، يسلط الخبراء الضوء على الآثار السلبية للعقوبات على الناتج المحلي الإجمالي، مما يعني ضمناً أن الحوافز الضريبية يجب أن تتصدى للضغوط الخارجية.
ويمكن القول إن تعديلات 2026 الضريبية تمثل محاولة إسرائيلية لإدارة تداعيات حرب طويلة دون معالجة جذورها الاقتصادية والاجتماعية. وبينما توفّر هذه الإجراءات مسكنات مؤقتة لبعض الفئات، فإنها تترك الأسئلة الكبرى بلا إجابة: كيف يمكن لاقتصاد مُنهك بالحرب أن يستعيد توازنه دون ثمن اجتماعي باهظ؟ وهل تؤجل هذه السياسات الانفجار بدل أن تمنعه؟










