هالني وفاجأني وفجعني استشهاد الفارس الملثم أبو عبيدة الناطق الرسمي باسم المقاومة الإسلامية ، وحزنت بشدة على فقده،رغم علمي ويقيني أنه مات شهيداً مقبلاً غير مدبر، ثابتاً على الحق قابضاً على الجمر ، رغم كل ذلك حزنت بشدجة لاستشهاده هو ورفاقه رحمهم الله جميعاً، ولم لا أحزن وقد حزن النبي صلى الله عليه وسلم على استشهاد عمه حمزة بن عبد المطلب بل إنه لما عاد النبي ﷺ إلى المدينة وسمع نساء الأنصار يبكين شهداءهن، ذرفت عيناه فقال بحزن "لكنَّ حمزة لا بواكي له"، فذهب نساء الأنصار وبكين عند بيت حمزة إكراماً لرسول الله ﷺ وتطييباً لخاطره... كما ان النبي صلى الله عليه وسلم لشدة حزنه على استشهاد عمه قال : لئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بسبعين رجلاً منهم" (وفي روايات أخرى ذكر عدداً كبيراً).
فأنزل الله تعالى أنزل قرآناً يعقب على هذا القول ويوجه النبي ﷺ والمسلمين إلى الصبر والعدل في القصاص، وذلك في أواخر سورة النحل : "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۖ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
وقد أخرني ذلك الحزن على استشهاد الفارس المثم عن رثائه فور استشهاده فتأخرت عدة أيام حتى أتمالك نفسي واستجمع قواي .
وما أصعب أن ترثي من لم تكن ترى وجهه، لكنك كنت تلمس أثره في كل زاوية من زوايا النضال والمقاومة والكفاح المقدس ، وقد ودعته الأمة الإسلامية بأسرها كفارس اختار أن يعيش غريباً ويغادر صامتاً، مكافحاً ملثماً لم يغرِه الضوء، ولم يستوقفه بريق الشهرة، بل كان يرى في لثامه عهداً غليظاً بينه وبين الحق، ألا يعرف أحدٌ مَن هو، لكن عرف الجميعُ ما هو هده وهو نصرة الحق وكسر أنف العدو الصهيوني المتغطرس .
لقد كان ذاك "الملثم" حكايةً من طراز فريد؛ رجلٌ تجرد من أناه، ودفن اسمه خلف أسوار السرية، لكي يحيا فينا الأمل. لم يكن اللثام يوماً خوفاً، بل كان حياءً من أن ينسب النصر لنفسه، أو يعرفه العدو الغادر فيتربص به ، وكان اللثام أيضاً ووفاءً لرفاقٍ غادروا ولم تُلتقط لهم صور. خلف ذاك القماش، كانت تختبئ ملامح أنهكها السهر، وعينان لم تنظرا يوماً إلى الوراء، بل كانتا تحدقان دوماً في فجرٍ بعيدٍ آمن به، وإن لم تشرق شمسه في حياته.
لم يكن لثامه مجرد غطاء للوجه، بل كان درعاً ضد الانكسار، وحاجزاً يفصل بين طهر القضية وتكالب الأطماع. لقد كان هذا المكافح مدرسة في الصبر الاستراتيجي؛ يصمت حين يظن الجميع أنه انتهى، ويصبر في الأزمات صبر الجبال التي لا تزيدها الرياح إلا ثباتاً. وكلما اشتدت عليه المحن، كان يخرج منها أكثر صلابة، كأن الآلام وقود لروحه التي لا تقبل الضيم.
لقد تكالبت عليه قوى الشر بكل ثقلها، من عدو صهيوني يمتلك أقوى الأسلحة وأكثرها فتكاً و شراسة، وحلفاؤه من قوى الشر والغدر والخيانة بدءاً بامريكا ومروراً بالخونة من كل الملل والنحل ، ومروراً ايضاً بمعظم دول أوروبا الذين تأمروا جميعُ في الغرف المظلمة لكسر إرادته أو تشويه صورته هو ورفاقه من قادة المقاومة الأبطال الصابرين الصامدين ، وكثيراً ما نصبوا له الأفخاخ، وحاصروه بالضغوط، وظنوا أن الحصار سيُخرسه. لكنهم كانوا يجهلون أن القيد لا يحبس الفكرة، وأن الظلم إذا زاد، ولد بطلاً لا يعرف التراجع.
كانت لحظات ظهوره زلزالاً يربك حساباتهم؛ فبمجرد أن تلوح إطلالته، كانت الأنفاس تُحبس، والخطط تتوقف، والضجيج يهدأ. كانت القنوات والوكالات تتلهف لالتقاط إشارة منه، وتتسابق لبث بياناته، ليس حباً فيه له، بل لإدراكهم أن ما سينطق به ليس مجرد كلام، بل هو "فصل الخطاب" الذي يقلب الطاولة على المتآمرين.
كان العالم ينصت بذهول لبياناته؛ فكلماته كانت صاعقة تخترق جدران التضليل، والتزييف الصهيوني ، ومنطقاً يبعثر أوراق الخصوم. كان يلقي كلمته ويمضي، تاركاً إياهم في حيرة من أمرهم، يعيدون حساباتهم المرة تلو الأخرى. لقد أثبت للعالم أن الحق حين يمتلك حنجرة صادقة، فإنه يهزم جيوشاً من الزيف، وأن ثباته في الأزمات كان هو السلاح الأقوى الذي لم تجد له قوى الشر مضاداً أو علاجاً.
رحل الفارس الملثم تاركاً خلفه إرثاً من الكبرياء؛ فكم من فمٍ أخرسه ببيان، وكم من مؤامرة أحبطها بصبر، وكم من أمل أحياه بوقفة لم تعرف الانحناء.
مات المناضل المقاوم البطل، وظلّ اللثام شاهداً على زمنٍ عزّ فيه الرجال الذين يعملون بصمت، نعم رحل ذاك الذي كان يمرّ بيننا كالنسمة الثائرة، يزرع الأرض كرامةً ويمضي، لا يترك خلفه بطاقة تعريف، بل يترك خلفه حياةً كاملة من التضحية. لقد علّمنا برحيله أن الوجوه تفنى، والأسماء قد تُنسى، لكنّ القضية التي تُلثّم لأجلها الوجوه وتُرخص لأجلها الأرواح هي الباقية.
لم تكن القوة وحدها هي ما يحرك ذاك الملثم، بل كان في جوهره داعيةً ربانياً، يحمل في قلبه نور الإيمان كما يحمل في يده راية الكفاح. لقد آمن أن الدعوة إلى الحق تتطلب أحياناً "نكراناً مطلقاً للذات"، فقرر أن يكون صوتاً للوعي لا وجهاً للشهرة. كان يخطب في الأرواح، ويبث القيم في النفوس، ويقود الناس نحو النور، وهو متخفٍ خلف لثامه، ليظل عمله خالصاً لله، بعيداً عن حظوظ النفس وأضواء الدنيا.
الدهشة الكبرى كانت في ذاك "السر المقدس" الذي حمله وحيداً؛ فحتى أولئك الذين كانوا يشاركونه المأكل والمشرب من أقربائه ورفاقه، لم يكونوا يعلمون أن هذا الرجل الهادئ الذي يعيش بينهم هو نفسه "الفارس الملثم" الذي تهتز له عروش الظلم. كان يجلس معهم، يواسي جراحهم ويشد من أزرهم، ثم يمضي ليلاً ليلبس لثامه ويقف شامخاً أمام الكاميرات ليقلب موازين القوى ببياناته الصاعقة... وحسينما استشهد ساعتها فقط عرفوا ا، أبا عبيده هو حذيفة سمير عبد الله الكحلوت (أبو إبراهيم) رحمه الله وتقبله في الشهداء هو ورفاقه .
لقد كان يعيش بين الورى بجسده، لكن روحه كانت تحلق في ملكوت آخر، كان رفاقه يسمعون بياناته عبر الشاشات، وتتلهف قلوبهم لمعرفة هذا البطل المجهول، بينما كان هو يجلس بجانبهم صامتاً، يبتسم بوقار المؤمن الذي اكتفى بأن "يعرفه أهل السماء وإن جهله أهل الأرض".
هذا الخفاء لم يكن هرباً من المسؤولية، بل كان قمة الثبات؛ إذ كيف لرجل أن يحمل عبء أمة، ويواجه تآمر قوى الشر، ويظل محتفظاً بهدوئه وبساطته أمام عائلته وأصحابه؟ إنها قدرة لا يؤتاها إلا من صهرته المحن، وخلصت قلبه من حب الظهور.
اليوم، حين سقط القناع برحيله، لم يسقط الفارس، بل تكشفت للأعين تلك الروابط النورانية؛ فتبين للجميع أن الداعية الذي حصل على الماجستير في الدراسات الإسلامية لكنه آثر الجهاد والكفاح على الركون إلى الدعة والاستكانة والمهانة ، نعم رحل الملثم، لكنه ترك خلفه أعظم درس في تاريخ المكافحين: أن تكون عظيماً يعني أن تذوب في قضيتك حتى لا يكاد يراك أحد، ليرى الجميعُ من خلالك وجه النصر.
سلامٌ على تلك اليد القابضة على الجمر، وصبرهو ورافقه على الجوع والحصار والبرد والملاحقة وقلة العتاد وقلة الزاد وضعف الإمداد وخيانة بني الجنس والدين والملة ، وسلامٌ على الجبين الذي ما انحنى إلا لله، وسلامٌ على لثامك الذي صار اليوم علماً يرفرف في قلوب كل من عرفوك فعلاً، وجهلوك اسماً.
نم قرير العين أيها البطل المغوار المجهول في الأرض، المعلوم في السماء، لقد أديت الأمانة، وحفظت العهد، وتركت لنا من بعدك درساً عظيماً: أن أعظم المكافحين هم الذين يرحلون دون أن يطلبوا من الدنيا "شكراً"، ويكفيهم أن التاريخ سيذكر يوماً أن "ملثماً مرّ من هنا، وصنع من دمه طريقاً للحرية".
وقد حضرتني هذه الأبيات الشعرية في رثائه
مَا أصْعَبَ النَّعْيَ الذي لا وَجْهَ لَهْ ... لَكِنَّ آثَارَ الخُلُودِ تَدُلُّ عَنْهْ
فِي كُلِّ زَاويةٍ نَضَالُكَ شَاهِدٌ ... يَا فَارِسًا عَرَفَ الزَّمَانُ مَكَانَهُ
غَابَ الَّذِي عَاشَ الغَرِيبَ بِأُمَّةٍ ... وَمَضَى صَمُوتًا لا يُرِيدُ بَيَانَهُ
مُتَلثِّمًا بِالحَقِّ، يَنْبِذُ شُهْرَةً ... وَعَلَى عُيُونِ الغَادِرِينَ أَهَانَهُ
مَا كَانَ خَوْفًا ذَا اللِّثَامُ وَإِنَّمَا ... زُهْدٌ بِأَنْ يَهَبَ المَدِيحَ لِسَانَهُ
لَمْ يَعْرِفُوا مَنْ هُوَ، لَكِنْ أَيْقَنُوا ... "مَا هُوَ" وَ ما كَيَانَهُ!
فَهُوَ الَّذِي كَسَرَ العَدُوَّ وَأَنْفَهُ ... وَأَذَلَّ صُهْيُونَاً وَهَدَّ أَمَانَهُ
رَجُلٌ تَجَرَّدَ مِنْ "أَنَاهُ" وَسِرُّهُ ... حَيَاةُ أَمَالٍ تُقِيلُ عِثَانَهُ
تَحْتَ القِمَاشِ مَلَامِحٌ مَنْسِيَّةٌ ... سَهِرَتْ لِيَبْلُغَ فَجْرُنَا إِبَّانَهُ
صَبْرٌ الجِبَالِ فِي أَزَمَاتِهِ ... لا الرِّيحُ تَهْزِمُهُ وَلا صولاته
تَكَدَّسَتْ كُلُّ القُوَى لِحِصَارِهِ ... وَشَرُّ "أَمْرِيكَا" جَنَى خُسْرَانَهُ
خَانَ الخَؤُونُ وَتَآمَرُوا فِي ظُلْمَةٍ ... لِيُكَبِّلُوا فَوْقَ المَدَى إِيمَانَهُ
لَكِنَّهُ "فَصْلُ الخِطَابِ" إِذَا بَدَا ... زِلْزَالُ طَلْعَتِهِ يُصِمُّ جَنَانَهُ
يُلْقِي الكَلَامَ صَوَاعِقًا وَيَمُرُّ كَالـ ... ـنَّسَمَاتِ تَزْرَعُ لِلإِبَا رَيْحَانَهُ
دَاعٍ إِلى الرَّحْمَنِ يَبْتَغِي وَجْهَهُ ... حَمَلَ الشَّهَادَةَ وَافْتَدَى قُرْآنَهُ
يَا سِرَّهُ المَكْنُونَ بَيْنَ رِفَاقِهِ ... مَا أَعْظَمَ الرَّجُلَ الَّذِي مَا خَانَهُ!
يَمْشِي مَعَ الأَهْلِ الهُوَيْنَا سَاكِنًا ... وَمِنَ اللِّثَامِ يُزَلْزِلُ اعْدِيَانَهُ
مَجْهُولُ أَهْلِ الأَرْضِ، لَكِنَّ السَّمَا ... تَدْرِي وتعلم منه هو
نَمْ قَرِيرَ العَيْنِ يَا بَطَلًا مَضَى ... فَالدَّمُّ صَارَ لِلْعُبُورِ ضَمَانَهُ
سَلَامٌ عَلَى يَدِكَ الَّتِي مَسَكَتْ جَمْرًا ... وَتَاجِ عِزٍّ صَاغَهُ "لِثَامُهُ"









