مع ساعات الفجر الأولى من اليوم الأحد، عاد طيران الاحتلال الإسرائيلي إلى تصعيد عدوانه على قطاع غزة، عبر سلسلة غارات جوية عنيفة استهدفت مدينتي خانيونس وغزة، بالتوازي مع قصف مدفعي مكثف نفذته قوات الاحتلال على محاور متعددة. هذا التصعيد، الذي جاء دون أي إنذار، عكس توجهاً واضحاً نحو إعادة فرض معادلة القوة العسكرية الميدانية، في تحدٍ مباشر لأي التزامات سياسية أو تهدئة معلنة.
اللافت في هذا الهجوم هو توقيته وشدته، إذ نُفذ في ساعات الفجر، وهي الفترة الأكثر حساسية من حيث الوجود المدني، ما يعكس استهتاراً متعمداً بأرواح السكان، ويعيد إلى الواجهة سياسة “الضغط بالنار” التي يعتمدها الاحتلال لفرض وقائع جديدة على الأرض.
غزة: استهداف الشرق والجنوب
في جنوب قطاع غزة، تركزت الغارات الجوية والقصف المدفعي على المناطق الشرقية لمدينة خانيونس، حيث قصفت الطائرات الحربية بشكل مكثف الأحياء الحدودية، فيما واصلت الدبابات الإسرائيلية إطلاق نيرانها بشكل متواصل. ومع امتداد القصف ليشمل المناطق الجنوبية، تحولت المدينة إلى بؤرة اشتباك مفتوحة، تتداخل فيها الغارات الجوية مع القصف الأرضي وعمليات النسف.
الأخطر في هذا المشهد، هو وصول الرصاص ونيران الدبابات إلى محيط خيام النازحين قرب مقابر النمساوي غربي خانيونس، في مؤشر خطير على تآكل ما تبقى من خطوط الحماية المفترضة للمدنيين. فمناطق النزوح، التي يفترض أنها ملاذ آمن، باتت عملياً ضمن بنك الأهداف أو في مرمى النيران المباشرة، ما يفاقم من حجم الكارثة الإنسانية.
رفح والبريج… توسيع رقعة النار جنوباً ووسطاً
لم يقتصر التصعيد على خانيونس وحدها، إذ شنت طائرات الاحتلال غارات جوية على مدينة رفح جنوب القطاع، في إطار توسيع نطاق الضغط العسكري. هذه الغارات جاءت في سياق سياسة “التصعيد المتدرج”، التي تهدف إلى إبقاء كامل القطاع تحت تهديد دائم، ومنع أي شعور بالاستقرار النسبي.
وفي وسط القطاع، أطلقت الآليات الإسرائيلية نيرانها شرقي مخيم البريج، في تكرار لسيناريو الاستهداف العشوائي لمناطق مأهولة بالسكان. هذا النمط من القصف، الذي يتنقل بين الجنوب والوسط، يعكس محاولة لشلّ الحياة اليومية، وإبقاء المدنيين في حالة نزوح دائم وخوف مستمر.

مدينة غزة… القصف يتجدد والضحايا يتزايدون
في مدينة غزة، استهدف طيران الاحتلال المناطق الشرقية بغارات جديدة، فيما جددت الآليات الإسرائيلية إطلاق النار شرقي مخيم البريج في المنطقة الوسطى، في مشهد يعكس وحدة مسرح العمليات من شمال القطاع إلى جنوبه. هذه الضربات تأتي في سياق تصعيد متواصل، لا يفرّق بين منطقة وأخرى، ويعتمد على الاستنزاف التدريجي للبنية السكنية والإنسانية.
وكان يوم أمس قد شهد استشهاد ثلاثة مواطنين، بينهم طفلتان، وإصابة 17 آخرين بجراح متفاوتة، نتيجة استهداف مناطق متفرقة من القطاع. هذه الحصيلة، رغم محدوديتها العددية مقارنة بمراحل سابقة، إلا أنها تعكس استمرار سياسة القتل البطيء، وتؤكد أن خطر الاستهداف لا يزال قائماً في كل لحظة.
وقف إطلاق النار
يأتي هذا التصعيد في وقت يفترض فيه أن يسري اتفاق وقف إطلاق النار في غزة منذ العاشر من أكتوبر الماضي. غير أن الوقائع الميدانية تشير بوضوح إلى أن الاحتلال يتعامل مع الاتفاق باعتباره أداة تكتيكية لا التزاماً سياسياً، حيث يواصل خروقاته المتكررة دون أي مساءلة دولية حقيقية.
الضربات الجوية، والقصف المدفعي، وإطلاق النار على مناطق مأهولة، تشكل انتهاكاً صريحاً لبنود التهدئة، وتكشف أن الاحتلال يستخدم وقف إطلاق النار كغطاء لإدارة الصراع، لا لإنهائه. وفي ظل غياب ضغط دولي فاعل، يتحول الاتفاق عملياً إلى إطار هش، يسمح للاحتلال بإعادة إشعال الميدان متى شاء.
دلالات التصعيد
يحمل هذا التصعيد رسائل سياسية وأمنية متعددة، أبرزها محاولة فرض معادلات ردع جديدة، واختبار ردود الفعل الفلسطينية والإقليمية، في مرحلة تشهد تحولات سياسية وضغوطاً دولية متباينة. كما يعكس سعي الاحتلال إلى إبقاء غزة في حالة استنزاف دائم، ومنع أي انتقال نحو مرحلة استقرار أو إعادة إعمار حقيقية.
في المحصلة، فإن غارات الفجر على غزة وخانيونس ليست حدثاً معزولاً، بل حلقة جديدة في مسار عدواني طويل، يراكم الخسائر الإنسانية، ويقوّض أي أفق سياسي. ومع استمرار خروقات وقف إطلاق النار، تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة، في ظل واقع ميداني يزداد هشاشة، وسكان يدفعون الثمن الأكبر من أمنهم وأرواحهم.








