20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: سيمفونية النفط العالمي 2026

يرى الشيخ أحمد زكي اليماني : "أن التحولات الكبرى في الطاقة لا تحدث بسبب نضوب الموارد بل بسبب تغيّر أنماط الاستخدام والتكنولوجيا "، وهو ما ينطبق بوضوح على أسواق النفط العالمية حتى نهاية عام 2025

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
٤ يناير ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
40 مشاهدة
النفط العالمي

النفط العالمي

يرى الشيخ أحمد زكي اليماني : "أن التحولات الكبرى في الطاقة لا تحدث بسبب نضوب الموارد بل بسبب تغيّر أنماط الاستخدام والتكنولوجيا "، وهو ما ينطبق بوضوح على أسواق النفط العالمية حتى نهاية عام 2025 ، ورغم تجاوزها حاجز الـ80 دولارًا للبرميل مع مطلع 2025، سرعان ما سجلت أسعار النفط تراجعًا في منتصف شهر يناير عقب فرض عقوبات أميركية جديدة على روسيا، ثم إعلان الولايات المتحدة تعريفات جمركية على معظم دول العالم في أبريل، أعقبها انخفاض آخر بسبب مخاوف انقطاع الإمدادات جراء الحرب الإسرائيلية الإيرانية في يونيو.

لقد شهد السوق حالة توازن هش بين نمو الإنتاج وتباطؤ الطلب فبلغ متوسط الإنتاج العالمي قرابة 104 ملايين برميل يومياً مدفوعاً بارتفاع إنتاج الولايات المتحدة ودول خارج opec) )، إلى جانب عودة تدريجية لإمدادات بعض دول (+  (opec، وفي المقابل بلغ الاستهلاك العالمي مستوى مقارباً مع تسجيل نمو محدود لا يتجاوز 700 إلى 800 ألف برميل يومياً مقارنة بالعام السابق ويعكس هذا الوضع بداية تشكل فائض في المعروض النفطي مع نهاية 2025 مرشح للتوسع خلال عام 2026 الجديد، فقد كان السعر النفطي مستقراً في 2025 عمومًا فوق 60 دولارًا للبرميل؛ لتردّ عمليًا على الادّعاءات بوجود فائض كبير في الأسواق، وسط تباين تقديرات العرض والطلب من مختلف المؤسسات الكبرى.

 

ويؤكد جون مينارد كينز في تحليلاته: "أن الأسواق لا تتحرك دائماً وفق المنطق الاقتصادي البحت"، وهو ما يتجلى في توقعات عام 2026 ، فالمتوسط السنوي سيكون أقل من 70 دولارًا، إذ سيتراوح في الربعين الأول والثاني بين 60 : 65 دولارًا، مقابل 65 :70 دولارًا في المدّة نفسها من 2025. وتشير البيانات إلى استمرار نمو الإنتاج العالمي ليصل إلى ما بين 105 و106 ملايين برميل يومياً في حين يُتوقع أن ينمو الطلب بوتيرة أبطأ لا تتجاوز 850 ألف برميل يومياً ويتركز هذا النمو في الاقتصادات الناشئة بينما تستمر الدول المتقدمة في تقليص اعتمادها على النفط تدريجياً نتيجة السياسات البيئية والتوسع في الطاقة النظيفة هذا الخلل النسبي بين العرض والطلب يعزز سيناريو فائض مستمر ويضغط على الأسعار العالمية رغم محاولات ضبط السوق.. ومن المتوقع أن تتحسن الأسعار في الربعين الثالث والرابع، مع تحسُّن الظروف الاقتصادية وتلاشي الصعوبات الجيوسياسية، باحتمال انتهاء الحرب التجارية، وتحسُّن الاقتصاد العالمي.

ولكن حال استمرار الأمور ولم تتدخل الدول الـ8 الأعضاء في تحالف (+ (opec، ستبقى الأسعار بين 60 و65 دولارًا، "وتتكرر أنماط الأسواق النفطية عبر الزمن بصورة متناغمة"، كما وصفها مارك توين، فالسياق الجيوسياسي الحالي، لا سيما مع وجود عوامل غير متوقعة مثل روسيا وفنزويلا وإيران، يعكس دورات سابقة من التوتر حيث تمثل العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وفنزويلا عاملاً مؤثراً لكنه محدود الأثر مقارنة بعوامل السوق الكلية، ففنزويلا رغم امتلاكها أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم لا تزال تعاني من قيود هيكلية في الإنتاج والبنية التحتية إضافة إلى العقوبات التي تعيق قدرتها على زيادة الصادرات وفي حال تصعيد التوترات أو تشديد القيود قد ينخفض الإنتاج مؤقتاً إلا أن هذا الأثر غالباً ما يتم امتصاصه عبر زيادة الإمدادات من منتجين آخرين، بينما كانت مشتريات الصين الإستراتيجية الحالية قد تتوقف عند ارتفاع الأسعار، ما قد يحدّ من أيّ تفاؤل مفرط، كما من المرجّح أن يستأنف تحالف أوبك+ التخلص من تخفيضات الإنتاج. وهنا يُشير إيان بريمر إلى : "أن الجغرافيا السياسية تصبح لغة الاقتصاد عندما تفقد الأرقام قدرتها على التفسير"، وهو ما ينطبق على تحركات أسعار النفط المتوقعة خلال عام 2026 حيث يرجح أن يتحرك خام برنت في نطاق يتراوح بين 60 و70 دولاراً للبرميل مع احتمالات هبوط مؤقت في حال تفاقم فائض المعروض أو حدوث تباطؤ اقتصادي عالمي أوسع بينما تبقى فرص الارتفاع الحاد محدودة ما لم تتعرض إمدادات رئيسية لاضطرابات مباشرة ومفاجئة

ويصف دانيال يرغن النفط بأنه: "عنصر قوة قبل أن يكون مجرد سلعة"، وهو ما يفسر استمرار أهميته رغم التحولات الجارية، إذ تشير التوجهات المستقبلية إلى تحول هيكلي متدرج في الطلب العالمي، حيث يتراجع الاعتماد على النفط في النقل وتوليد الكهرباء في الدول الصناعية، مقابل استمرار الطلب في الصناعات الثقيلة والبتروكيماويات والطيران. كما أن الانتقال المتسارع نحو السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة يحد من نمو الطلب طويل الأجل، إلا أنه لا يلغي الحاجة إلى النفط في المدى المتوسط خاصة في الدول النامية، فـ "الطاقة تمثل العمود الفقري للحضارة الصناعية الحديثة"،كما يراها فاكلاف سميل، وهو ما ينعكس على جانب العرض، حيث تستمر الولايات المتحدة في ترسيخ مكانتها كأكبر منتج عالمي بفضل مرونة صناعة النفط الصخري، بينما تسعى دول (+  (opec إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية الأسعار والحفاظ على حصصها السوقية في ظل منافسة متزايدة من منتجين مستقلين، كما أن دخول طاقات إنتاجية جديدة من دول مثل البرازيل وكندا يعزز فائض المعروض ويزيد من تعقيد إدارة السوق.

وهنا يرى مايكل بورتر أن القدرة على التكيف هي جوهر الميزة التنافسية وهو ما يفرض على قطاع النفط مواجهة تحديات متعددة حتى عام 2026 تشمل الضغوط الاقتصادية الناتجة عن تخمة المعروض وتقلب الأسعار إضافة إلى التحديات السياسية المرتبطة بالعقوبات والنزاعات الإقليمية إلى جانب الضغوط البيئية والتنظيمية المرتبطة بخفض الانبعاثات وهو ما يرفع مستويات عدم اليقين ويؤثر على قرارات الاستثمار طويلة الأجل. وهنا يحذر جورج سوروس من أن: "المخاطر لا تختفي بل تتغير أشكالها"، وهو ما يستدعي تبني استراتيجيات مرنة لإدارة المخاطر الجيوسياسية وتعزيز التنسيق بين المنتجين وتحسين الشفافية السوقية بالتوازي مع دعم التحول التدريجي نحو مزيج طاقة أكثر تنوعاً يحقق أمن الطاقة دون الإضرار بالاستقرار الاقتصادي.

المشهد النفطي

إن: " المستقبل لا يُنتظر بل يُدار"، وفق مقولة بيتر دركر، وهو ما يلخص المشهد النفطي حتى عام 2026 ، حيث سيبقى النفط عنصراً محورياً في الاقتصاد العالمي رغم وفرة الإمدادات وتباطؤ نمو الطلب وضغوط الأسعار فالنفط ليس مجرد مصدر للطاقة بل اقتصاد حياة ومع التوسع في التنوع الاقتصادي وتعدد مصادر الطاقة من شمس ورياح وهيدروجين يصبح التحدي الحقيقي ليس في استبدال النفط، بل في إدارة التحول بوعي وكفاءة، كما يشير فاكلاف سميل إلى أن: "جوهر المسألة لا يكمن في نوع الطاقة بل في كيفية استخدامها".

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: سيمفونية النفط العالمي 2026 - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°