الاحتلال الإسرائيلي وسوريا توصلا، اليوم الثلاثاء، إلى اتفاق أولي يقضي بإنشاء "آلية اتصال" للتنسيق الأمني والاستخباراتي والتجاري، وذلك بوساطة مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه الخطوة، التي أعلنت عنها وزارة الخارجية الأمريكية في بيان مشترك، تأتي في ظل ظروف إقليمية معقدة، حيث تحاول واشنطن لعب دور الوسيط لتقليل التوترات العسكرية وتعزيز فرص التعاون الاقتصادي بين الطرفين.
الآلية الجديدة، بحسب البيان، ستعمل تحت إشراف أمريكي مباشر لتسهيل تبادل المعلومات، خفض التصعيد العسكري، وفتح المجال أمام مشاريع تجارية مشتركة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى جدية الكيان الصهيوني في الالتزام ببنود الاتفاق، خاصة في ظل تاريخه الطويل من المماطلة والعدوان.
الاحتلال والملفات الاستراتيجية المرتبطة بالانسحاب
الاحتلال الإسرائيلي يواجه موقفاً حازماً من دمشق، حيث أكد مصدر سوري لوكالة "رويترز" أن أي تقدم في الملفات الاستراتيجية لن يتم إلا بوجود جدول زمني ملزم لانسحاب قوات الاحتلال من الأراضي السورية التي سيطرت عليها عقب الإطاحة ببشار الأسد أواخر عام 2024.
هذا الشرط يعكس رغبة دمشق في ربط أي تعاون أمني أو اقتصادي بملف السيادة الوطنية، إذ ترى أن استمرار وجود القوات الإسرائيلية في العمق السوري يمثل عدواناً صارخاً على سيادة الدولة، ويعيد إلى الأذهان تجربة الاحتلال الطويل للجولان منذ عام 1967.
الاحتلال ومحادثات باريس: تعليق العمليات العسكرية
الاحتلال الإسرائيلي كان محوراً أساسياً في محادثات باريس التي جرت يومي الاثنين والثلاثاء، حيث خرجت المبادرة بطرح تعليق الأنشطة العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية. المسؤول السوري الذي شارك في المحادثات اتهم تل أبيب بالمماطلة وتبني عقلية توسعية، مشدداً على ضرورة العودة إلى المواقع التي كانت قائمة قبل 8 ديسمبر 2024 لضمان السيادة السورية الكاملة.
وفي المقابل، لم يصدر أي تعليق رسمي من حكومة الاحتلال حول مسألة تعليق العمليات، واكتفى مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالإشارة إلى التركيز على القضايا الأمنية والاقتصادية، وهو ما يعكس تجاهلاً متعمداً لمطالب دمشق الجوهرية.
الاحتلال وتوغله بعد سقوط الأسد
الاحتلال الإسرائيلي استغل سقوط نظام الأسد أواخر 2024 للتوغل في العمق السوري، مبرراً ذلك بحماية الأقلية الدرزية. غير أن دمشق ترى أن هذه الذريعة ليست سوى غطاء لعدوان جديد يهدف إلى فرض واقع ميداني يخدم مصالح الكيان الصهيوني.
اليوم، تركز سوريا على إعادة إحياء اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، باعتبارها مرجعية قانونية ودولية يمكن أن تضمن وقف العدوان وإعادة الأمور إلى نصابها، خاصة أن هذه الاتفاقية كانت قد أسست لخطوط فصل واضحة بين القوات السورية والإسرائيلية في الجولان.
الاحتلال والمقترح الأمريكي لإنشاء منطقة اقتصادية مشتركة
الاحتلال الإسرائيلي يواجه مقترحاً أمريكياً جديداً يتضمن إنشاء "منطقة اقتصادية مشتركة" منزوعة السلاح على الحدود السورية – الإسرائيلية، موقع "أكسيوس" الأمريكي كشف أن واشنطن طرحت هذه الفكرة خلال المفاوضات، على أن تشمل مشاريع في مجالات الزراعة، طاقة الرياح، السياحة، والمجتمعات المحلية.
الاحتلال وتركيبة الوفود المشاركة في المفاوضات
الاحتلال الإسرائيلي مثّله في المفاوضات وفد رفيع المستوى ضم سفير تل أبيب لدى واشنطن يحيئيل ليتر، السكرتير العسكري لرئيس الوزراء رومان جوفمان، والقائم بأعمال مستشار الأمن القومي جيل رايخ. هذه التركيبة تعكس تركيز تل أبيب على الملفات الأمنية والاستخباراتية أكثر من الملفات الاقتصادية.
في المقابل، مثّل الجانب السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس جهاز المخابرات حسين سلامة، وهو ما يعكس رغبة دمشق في التعامل مع الملف من زاوية سياسية وأمنية شاملة، تربط بين السيادة الوطنية والانسحاب الكامل لقوات الاحتلال.
العدوان الإسرائيلي وموقف دمشق الحازم
العدوان الإسرائيلي المستمر داخل الأراضي السورية دفع دمشق إلى اتخاذ موقف حازم، حيث تصر على أن أي اتفاق لا يمكن أن ينجح دون انسحاب كامل وملزم، هذا الموقف يعكس إدراكاً سورياً بأن الكيان الصهيوني يسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، عبر التوسع العسكري والاقتصادي، وهو ما يتناقض مع مبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
دمشق ترى أن أي محاولة لتجاوز ملف الانسحاب ستؤدي إلى فشل الاتفاق، وأن ربط الملفات الاستراتيجية بالانسحاب هو الضمان الوحيد لتحقيق سيادة حقيقية.
الاحتلال الإسرائيلي يحاول عبر هذه الآلية الجديدة أن يربط الأمن بالاقتصاد، مستفيداً من الوساطة الأمريكية التي تسعى إلى تحويل الصراع إلى مشاريع مشتركة. غير أن التحليل السياسي يكشف أن دمشق تدرك خطورة هذا الربط، إذ ترى أن أي تعاون اقتصادي دون انسحاب عسكري سيؤدي إلى تكريس الاحتلال بدلاً من إنهائه.
من زاوية أخرى، فإن الولايات المتحدة تحاول عبر هذه المبادرة أن توازن بين مصالح الكيان الصهيوني ومطالب دمشق، لكنها تواجه معضلة حقيقية: كيف يمكن إقناع إسرائيل بالتخلي عن عقلية العدوان والتوسع، وهي التي اعتادت على فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية؟
الاحتلال الإسرائيلي يقف اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن يلتزم بجدول زمني واضح للانسحاب، وهو ما قد يفتح الباب أمام تعاون اقتصادي وأمني حقيقي، أو أن يستمر في المماطلة والعدوان، وهو ما سيؤدي إلى انهيار الاتفاق قبل أن يبدأ.
التحدي الأكبر يكمن في قدرة واشنطن على فرض التزامات واضحة على الكيان الصهيوني، خاصة أن تاريخ المفاوضات السابقة يثبت أن إسرائيل غالباً ما تتنصل من التزاماتها، وتستغل أي ثغرة لإطالة أمد الاحتلال.
العدوان الإسرائيلي والانعكاسات الإقليمية
العدوان الإسرائيلي داخل سوريا لا يقتصر على البعد الثنائي بين دمشق وتل أبيب، بل يمتد ليؤثر على التوازنات الإقليمية. فإقامة منطقة اقتصادية مشتركة منزوعة السلاح قد تبدو فكرة جذابة، لكنها في الواقع قد تتحول إلى أداة لتكريس النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، إذا لم تقترن بانسحاب كامل وضمانات دولية صارمة.
كما أن استمرار الاحتلال يهدد بإعادة إشعال الصراع في الجولان، ويضعف فرص الاستقرار الإقليمي، خاصة أن سوريا ترى أن أي تنازل في هذا الملف سيؤدي إلى فقدان سيادتها على أراضيها.
الاحتلال الإسرائيلي يحاول عبر الاتفاق الجديد أن يظهر بمظهر الشريك في السلام، لكنه في الواقع يسعى إلى تكريس وجوده العسكري والاقتصادي داخل سوريا، ودمشق، من جانبها، تربط أي تقدم في الملفات الاستراتيجية بجدول زمني ملزم للانسحاب، وهو ما يعكس إدراكاً عميقاً لخطورة المماطلة الإسرائيلية.










