في لحظة إقليمية شديدة الحساسية بعد أمر ترامب بالسيطرة على النفط الفنزويلي، تتقاطع الأزمات الداخلية مع الحسابات العسكرية وسوء التقدير السياسي، لتضع الشرق الأوسط مجدداً أمام سيناريوهات تصعيد واسعة، قد تبدأ بخطأ محدود وتنتهي بحرب متعددة الساحات.
تجمع مقالات لثلاثة من أبرز المحللين العسكريين والأمنيين في إسرائيل – تمير هايمن، يوآف ليمور، وآفي أشكنازي – على أن احتمالية الانزلاق إلى مواجهة مع إيران لم تعد افتراضية، بل باتت أقرب من أي وقت مضى، ليس نتيجة قرار استراتيجي مدروس، بل بفعل مناخ ضاغط من الشكوك، والاحتجاجات، والرسائل المتبادلة بين طهران وإدارة ترامب، وتغير موازين الردع.
هذا التقرير يقرأ من داخل العقل الأمني الإسرائيلي: كيف تُفسَّر الاحتجاجات في إيران؟ لماذا يُخشى من “الخطأ الإيراني”؟ وكيف يتداخل المسار الإيراني مع احتمالات فتح جبهة لبنان مجدداً؟
أولاً: ترامب يفتح باب الحرب مع إيران
بقلم: تمير هايمن – القناة 12 العبرية
يرى تمير هايمن، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية، أن ازدياد احتمالية الحرب مع إيران ناتج بالأساس عن خطأ في التقدير المتبادل وتهديدات مستمرة من ترامب بالمواجهة العسكرية، فالاحتجاجات الشعبية داخل إيران تُفسَّر من قِبل الطرفين بطريقة معكوسة:
ففي طهران، قد يُنظر إلى التصعيد الخارجي كوسيلة لصرف الانتباه الداخلي.
أما في إسرائيل، يُنظر إلى ضعف النظام كفرصة أو كخطر يتطلب جهوزية قصوى.
ويؤكد هايمن أن هذا المنطق غير عقلاني، لأن أي هجوم إيراني مباشر على إسرائيل سيقود، على الأرجح، إلى رد إسرائيلي–أميركي مشترك قد يشكل تهديداً وجودياً للنظام الإيراني نفسه.
في المقابل، يذكّر بتجارب سابقة، حيث أدت الضغوط الخارجية إلى توحيد الداخل الإيراني حول النظام بدل إسقاطه، كما حصل في “حرب الأيام الاثني عشر”.
ويحذر من أن المناورات العسكرية والرسائل الصاروخية المتبادلة باتت تُقرأ كأعمال حربية بحد ذاتها، مشيراً إلى اتصال جرى قبل أسابيع بين رئيس الأركان الإسرائيلي ونظيره الأميركي، جرى خلاله التأكيد أن المنطقة تقف على بعد خطوة واحدة من الحرب.
الاستنتاج المركزي لهايمن:
ليس من الحكمة الآن تهديد إيران من الخارج، بل ترك الصراعات الداخلية تحسم مسارها، لأن أي تصعيد خارجي قد يأتي بنتائج عكسية.
ثانياً: هل نحن على طريق حملة عسكرية جديدة في لبنان؟
يربط هايمن بين المسار الإيراني واحتمالات التصعيد مع لبنان، مشيراً إلى أن عاملين من أصل ثلاثة تغيّروا منذ اللحظة التي كادت تنفجر فيها الحرب مع “حزب الله”:
العامل الإيراني:
بعد “حرب الأيام الاثني عشر”، تعافى النظام الإيراني جزئياً، وبدأ بإرسال دعم مالي ضخم إلى “حزب الله”، قُدّر بنحو مليار دولار.
لكن وفق خطة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فإن استمرار هذا الدعم يتناقض مع أولوية إنقاذ الاقتصاد الإيراني، ما يضع طهران أمام معادلة صعبة.
العامل الدولي:
تراجع الزخم الأميركي والدولي الذي أعقب إضعاف “حزب الله”، كما تراجع الحضور الفاعل للحكومة اللبنانية. ومع انتهاء مهلة الإنذار الموجهة لبيروت، يُتوقع – من وجهة النظر الإسرائيلية – تحرك دبلوماسي جديد قد يمهد لتصعيد.
ميدانياً، يميّز هايمن بين: جنوب الليطاني: حيث يعتبر أن الجيش الإسرائيلي نجح في تحجيم قدرة “قوة الرضوان” على المناورة البرية.
و شمال الليطاني: حيث يرى مؤشرات مقلقة وتوجهاً سلبياً مستمراً.
السؤال الجوهري المطروح في إسرائيل:
إذا اندلعت حرب جديدة، ما الذي سيكون مختلفاً هذه المرة؟ في القتال؟ وفي اليوم التالي؟
ويخلص إلى أن المفتاح الحقيقي ليس في القوة العسكرية فقط، بل في الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني، بوصفهما الطرفين الوحيدين القادرين – نظرياً – على تغيير المعادلة.
ثالثاً: فنزويلا… رسالة إلى إيران وإلى إسرائيل
بقلم: يوآف ليمور – “إسرائيل اليوم”
يرى يوآف ليمور أن الانشغال العالمي بالعملية الأميركية في فنزويلا بعد أوامر ترامب لا يمكن فصله عن السياق الإيراني.
فطهران تراقب بقلق ما جرى مع حليفها نيكولاس مادورو، ليس فقط من باب التضامن، بل من باب الخشية من أن تكون “الدور التالي” في استراتيجية أميركية أوسع.
ويلفت ليمور إلى أوجه تشابه لافتة بين فنزويلا وإيران، وهي : أنظمة قمعية غير شعبية- ثروات طبيعية هائلة مقابل فقر فعلي
وتخشي إيران صدام مباشر مع إدارة ترامب أو تعرض مباشر أو محتمل للتدخل الأميركي
ورغم غياب مؤشرات فورية على هجوم أميركي ضد إيران، يؤكد ليمور أن: النظام الإيراني لا يوشك على السقوط، فيما ترصد أجهزة الاستخبارات بعناية أي بوادر انتفاضة غير قابلة للاحتواء.
في السياق الإسرائيلي الداخلي، يشير إلى أن تضخيم التهديد الإيراني يخدم أحياناً أغراضاً سياسية داخلية، عبر تحويل الأنظار عن ملفات حساسة أخرى.
رابعاً: في انتظار الخطأ الإيراني
بقلم: آفي أشكنازي – “معاريف”
يذهب آفي أشكنازي إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا تسأل إن كان الخطأ الإيراني سيقع، بل متى.
ويعدّد سيناريوهات هذا الخطأ:
قمع دموي واسع للاحتجاجات
تحريك منصات صواريخ
أو أي خطوة تُفسَّر كاستعداد لهجوم
بعد قمة نتنياهو–ترامب، تغيّر المشهد الإقليمي بسرعة، وبات الجيش الإسرائيلي مطالباً بالاستعداد لقتال محتمل على أربع ساحات في آن واحد.
ويرى أشكنازي أن:
أي خطأ إيراني سيقود فوراً إلى ضوء أخضر أميركي لعمل عسكري واسع، ترامب، بعد تجربة فنزويلا، يريد أن يكون دائماً في موقع “المنتصر”
ويختم بالإشارة إلى تصريح نتنياهو الأخير في الكنيست:“إذا تعرضنا للهجوم، فإن التداعيات على إيران ستكون خطيرة على نحو خاص.”










