تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي توغلاتها البرية في محيط مخيم جباليا شمال قطاع غزة، في خرق متكرر لاتفاق وقف إطلاق النار، وفق ما أفادت به مصادر ميدانية فلسطينية وتقارير محلية. هذه التحركات لا تقتصر على عمليات تمشيط محدودة، بل تشمل توغلات عميقة نسبيًا، تترافق مع إطلاق نار كثيف واستخدام آليات ثقيلة، ما يفرض واقعًا أمنيًا هشًا على السكان المدنيين الذين لم يلتقطوا أنفاسهم بعد أشهر من العدوان المتواصل منذ أكتوبر 2023.
وتُقرأ هذه التوغلات في سياق أوسع من سياسة “الضغط بالنار”، حيث يسعى جيش الاحتلال إلى فرض معادلة ميدانية جديدة دون إعلان رسمي عن استئناف الحرب الشاملة، مستفيدًا من ضبابية الاتفاقات المرحلية وغياب آليات إلزام حقيقية تضمن وقف الخروقات. وبحسب شهود عيان، فإن التحركات العسكرية ترافقت مع عمليات تجريف محدودة وتهديد مباشر للأحياء السكنية القريبة من خطوط التماس.
قصف غزة ونسف ممنهج
بالتوازي مع التوغلات شمالًا، شهد شرق مدينة غزة ومناطق شرقي خان يونس قصفًا مدفعيًا متكررًا، إلى جانب عمليات نسف لمبانٍ سكنية وبنى تحتية، في مشهد يعيد إلى الأذهان مراحل سابقة من العدوان، وإن بوتيرة أقل كثافة. هذا النمط من القصف، وفق محللين عسكريين، لا يهدف فقط إلى إيقاع خسائر مادية وبشرية، بل إلى إبقاء الجبهة مشتعلة ومنع أي شعور بالاستقرار النسبي داخل القطاع.
عمليات النسف تحديدًا تحمل بعدًا عقابيًا ورسالة سياسية في آن واحد، إذ تُستخدم كأداة ردع جماعي بحق السكان، في انتهاك واضح لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر استهداف الممتلكات المدنية دون ضرورة عسكرية ملحّة. منظمات حقوقية كانت قد حذّرت مرارًا من أن هذا السلوك يندرج ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى تفريغ مناطق بعينها وفرض وقائع ديموغرافية وأمنية جديدة.
السياسة خلف النار
لا يمكن فصل هذا التصعيد الميداني عن المسار السياسي الأوسع والضغوط الدولية المتزايدة على حكومة الاحتلال. فالتوغلات والقصف يأتيان في وقت تتكثف فيه التحركات الدبلوماسية، خصوصًا من الولايات المتحدة وبعض العواصم الغربية، للدفع نحو ترتيبات سياسية وأمنية جديدة في غزة، سواء في ما يتعلق بمرحلة “اليوم التالي” أو بملف تبادل الأسرى ووقف الحرب.
التصعيد بغزة كأداة للتفاوض
في هذا السياق، يبدو أن حكومة الاحتلال توظف التصعيد كأداة تفاوض غير مباشرة، لإعادة تحسين شروطها السياسية والأمنية، وللرد على الضغوط الدولية دون الدخول في مواجهة علنية مع حلفائها. كما ينسجم هذا السلوك مع نمط إسرائيلي متكرر يقوم على إبقاء مستوى من التوتر العسكري يسمح بالمناورة سياسيًا، مع تجنب كلفة حرب شاملة قد تكون نتائجها غير مضمونة داخليًا وخارجيًا.
في المحصلة، يعكس المشهد في غزة معادلة خطِرة: تصعيد ميداني مضبوط السقف، لكنه مفتوح على احتمالات الانفجار. فاستمرار الخروقات، في ظل غياب مساءلة دولية فعالة، يرسّخ واقعًا هشًا يدفع المدنيون ثمنه المباشر، ويؤكد مرة أخرى أن المسار السياسي، كما يُدار حاليًا، لا ينفصل عن استخدام القوة، بل يقوم عليها كأداة ضغط أساسية، في تجاهل صارخ لحقوق الفلسطينيين ولحجم الكارثة الإنسانية المتواصلة منذ أكتوبر 2023.










