21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

السودان بين الهجمات المسيّرة والتحذيرات من الانهيار المعيشي

السودان يعيش منذ مطلع يناير 2026 حالة من التوتر الميداني المتصاعد، حيث كثّف طرفا النزاع

بقلم: غدير خالد
٨ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
11 مشاهدة
السودان بين الهجمات المسيّرة والتحذيرات من الانهيار المعيشي

السودان بين الهجمات المسيّرة والتحذيرات من الانهيار المعيشي

السودان يعيش منذ مطلع يناير 2026 حالة من التوتر الميداني المتصاعد، حيث كثّف طرفا النزاع، الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، استخدام الطائرات المسيّرة في هجماتهم العسكرية، وبحسب تقرير نشره "راديو دبنقا"، فقد شهدت البلاد ما لا يقل عن ثماني غارات جوية خلال خمسة أيام فقط، استهدفت مواقع حيوية مثل قاعدة مروي الجوية وسد مروي في الولاية الشمالية، إضافة إلى محطات كهرباء ومطارات في كردفان والنيل الأبيض.


هذا التصعيد العسكري يأتي في وقت حرج، حيث حذرت منظمات إنسانية من أن استمرار القتال سيؤدي إلى انهيار معيشي شامل، مع تراجع القدرة على توفير الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.


هجمات متواصلة


السودان شهد أيضًا هجمات متكررة على العاصمة الخرطوم ومطارها، حيث أفادت وكالة "فرانس 24" أن الطائرات المسيّرة استهدفت المطار لليوم الثالث على التوالي في أكتوبر 2025، ما أدى إلى تدمير واسع للبنية التحتية وتعطيل أي خطط لإعادة تشغيله، وهذه الهجمات تعكس أن الطائرات المسيّرة أصبحت السلاح الأكثر تأثيرًا في المشهد العسكري السوداني، حيث توفر قدرة على ضرب أهداف بعيدة بدقة عالية، مع تقليل المخاطر على المهاجمين.


تحذيرات أممية


السودان كان أيضًا محور اهتمام دولي، حيث أعرب خبير الأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان، رضوان نويصر، عن قلقه البالغ إزاء تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة، محذرًا من تداعياتها الكارثية على المدنيين والبنية التحتية المدنية، وأكد في بيان رسمي أن هذه الهجمات تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، داعيًا جميع الأطراف إلى وقف التصعيد وحماية المدنيين.

الانهيار المعيشي

السودان يواجه اليوم خطر انهيار معيشي غير مسبوق، حيث تشير تقارير منظمات الإغاثة إلى أن ملايين السودانيين يعانون من نقص الغذاء والمياه النظيفة، فيما تراجعت القدرة الشرائية بشكل حاد نتيجة انهيار العملة المحلية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وهذا الوضع يفاقمه استمرار القتال الذي يعطل سلاسل الإمداد ويمنع وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.

وبحسب تقديرات برنامج الغذاء العالمي، فإن أكثر من 20 مليون شخص في السودان بحاجة ماسة إلى مساعدات غذائية عاجلة، وهو ما يعكس حجم الأزمة الإنسانية التي تتفاقم يومًا بعد يوم.

المسار السياسي

السودان يشهد أيضًا محاولات سياسية متعثرة لوقف النزاع، حيث تسعى الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي إلى إطلاق مفاوضات جديدة بين الجيش والدعم السريع، لكن هذه الجهود تصطدم بتعنت الطرفين واستمرار العمليات العسكرية، والمراقبون يرون أن استمرار استخدام الطائرات المسيّرة يعكس رغبة كل طرف في فرض واقع ميداني قبل الدخول في أي تسوية سياسية، وهو ما يعقد فرص الحل.

الجهود الإغاثية

السودان يعتمد بشكل كبير على جهود المنظمات الإنسانية التي تحاول إيصال المساعدات رغم المخاطر الأمنية. وقد أعلنت منظمات مثل الهلال الأحمر السوداني ومنظمة أطباء بلا حدود عن تكثيف عملياتها في المناطق المتضررة، لكن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة بسبب القصف المستمر وانعدام الأمن.


التحليل يؤكد أن ربط المسار العسكري بالجهود السياسية والإغاثية أصبح ضرورة ملحة، إذ إن استمرار القتال يعرقل أي تقدم سياسي ويضاعف من معاناة المدنيين، فيما يظل غياب التنسيق بين الأطراف المحلية والدولية أحد أبرز العقبات أمام تحسين الوضع الإنساني.

والسودان يقدم اليوم نموذجًا واضحًا لكيفية تداخل المسارات العسكرية والسياسية والإغاثية في سياق واحد. فالهجمات بالطائرات المسيّرة لا تؤثر فقط على ميزان القوى الميداني، بل تترك تداعيات مباشرة على حياة المدنيين، وتضع ضغوطًا هائلة على المنظمات الإنسانية، وفي الوقت نفسه، فإن استمرار هذه الهجمات يعكس فشل المسار السياسي في تحقيق أي تقدم ملموس، حيث يصر كل طرف على استخدام القوة كوسيلة لفرض شروطه.


وهذا التداخل يعكس أن الحل في السودان لا يمكن أن يكون عسكريًا فقط، بل يتطلب مقاربة شاملة تربط بين وقف إطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية شاملة، وتعزيز الجهود الإغاثية لضمان بقاء المدنيين على قيد الحياة.

مستقبل السودان

السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق خطير، حيث يمكن أن يؤدي استمرار التصعيد العسكري إلى انهيار كامل للدولة ومؤسساتها، فيما قد يفتح نجاح الجهود السياسية والإغاثية الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار، ولكن هذا المستقبل يظل مرهونًا بقدرة الأطراف على تجاوز الحسابات الضيقة، والقبول بتسوية سياسية تضع مصلحة الشعب فوق أي اعتبارات أخرى.


وفي تصريح لمصدر أممي نقلته وكالة "رويترز"، جاء التأكيد أن "السودان بحاجة إلى وقف فوري لإطلاق النار، وإلى التزام جاد من جميع الأطراف بحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية"، وهذا التصريح يعكس حجم القلق الدولي من استمرار الأزمة، ويؤكد أن العالم يراقب السودان عن كثب، لكنه ينتظر خطوات عملية من الداخل قبل تقديم دعم أكبر.

غدير خالد

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال