سوريا شهدت خلال يوليو 2025 إعلانًا رسميًا عن وقف شامل لإطلاق النار في محافظة السويداء، وذلك بعد ضغوط إقليمية ودولية مكثفة. فقد أكدت الرئاسة السورية أن الاتفاق جاء نتيجة تفاهمات بين دمشق وتل أبيب بوساطة أمريكية، وبمشاركة تركيا والأردن ودول الجوار، في محاولة لاحتواء التوترات المتصاعدة في المنطقة ذات الأغلبية الدرزية.
بحسب ما نشرته صحيفة العربية نت، فإن المبعوث الأمريكي توماس برّاك لعب دورًا محوريًا في صياغة التفاهم، حيث دعا الأقليات المختلفة إلى إلقاء السلاح والانخراط في مشروع "سوريا جديدة موحدة". غير أن هذه الدعوات لم تجد صدى واسعًا على الأرض، إذ بقيت المجموعات المسلحة في حالة استعداد، ما جعل الاتفاق هشًا منذ لحظة ولادته.
خروقات الريف الغربي
سوريا تواجه اليوم تحديًا جديدًا مع تسجيل خروقات واضحة لوقف إطلاق النار في ريف السويداء الغربي. ففي التاسع من يناير 2026، أفادت صحيفة الثورة السورية أن مجموعات مسلحة خارجة عن القانون استهدفت بلدة المزرعة بقذائف هاون ورشاشات ثقيلة، ما أدى إلى إصابة منازل المدنيين وترويع السكان.
هذا التصعيد يعكس هشاشة التفاهمات المحلية، حيث لم تتمكن قوات الأمن السورية من فرض سيطرة كاملة على الأرض، رغم انتشارها في المحافظة منذ يوليو الماضي، ويشير مراقبون إلى أن استمرار هذه الخروقات يهدد بانهيار الاتفاق برمته، خاصة مع تداخل مصالح أطراف إقليمية تسعى لتوظيف الوضع لصالحها.
هشاشة التفاهمات
سوريا تجد نفسها أمام معادلة معقدة: تفاهمات إقليمية على الورق، لكنها غير قابلة للتطبيق عمليًا في ظل تعدد القوى المسلحة وتباين ولاءاتها. فبحسب تقارير إعلامية، فإن بعض المجموعات في السويداء ترتبط بتنظيمات خارجية مثل "PKK"، وترفض الالتزام بالاتفاقات، ما يفتح الباب أمام احتمالات التصعيد.
الهشاشة هنا ليست فقط في البنية الأمنية، بل أيضًا في البنية الاجتماعية والسياسية. إذ أن غياب الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي، وتدخل أطراف خارجية مثل أمريكا وإسرائيل، يجعل أي تفاهم هشًا وقابلًا للانهيار عند أول اختبار ميداني.
احتمالات التصعيد
سوريا قد تشهد في الفترة المقبلة تصعيدًا واسعًا إذا استمرت الخروقات. فالمجموعات المسلحة التي تستهدف المدنيين في الريف الغربي قد تدفع القوات الحكومية إلى رد فعل قوي، ما يفتح الباب أمام مواجهات مباشرة.
وفقًا لمحللين سياسيين، فإن استمرار هذه الخروقات قد يؤدي إلى تدخلات خارجية جديدة، خاصة من إسرائيل التي تبرر تدخلها بحماية الأقلية الدرزية. وهذا السيناريو يعيد إلى الأذهان مشاهد التصعيد في يوليو 2025، حين شنت إسرائيل غارات جوية على دمشق ومواقع عسكرية سورية.
الدور الإقليمي
سوريا ليست وحدها في هذا المشهد؛ فالتفاهمات الإقليمية التي رعتها أمريكا وتركيا والأردن تعكس مصالح متشابكة. فتركيا تسعى إلى تثبيت نفوذها في الشمال السوري، بينما ترى أمريكا أن احتواء التوتر في السويداء يخدم استراتيجيتها في منع تمدد النفوذ الإيراني. أما إسرائيل، فهي تستخدم ورقة حماية الدروز لتبرير تدخلاتها العسكرية.
هذا التداخل الإقليمي يجعل من السويداء ساحة اختبار للتوازنات، حيث أي خرق محلي يمكن أن يتحول إلى أزمة إقليمية أوسع.
المدنيون بين النار
سوريا، وبالأخص السويداء، تعيش حالة من القلق الشعبي المتزايد. فالمواطنون الذين كانوا يأملون أن يجلب وقف إطلاق النار الاستقرار، وجدوا أنفسهم مجددًا تحت نيران القذائف والرشاشات، وبحسب مصادر محلية، فإن القصف الأخير على بلدة المزرعة أدى إلى نزوح عشرات الأسر، وسط غياب ضمانات حقيقية لحمايتهم.
هذا الواقع يعكس أن المدنيين هم الحلقة الأضعف في أي تفاهمات سياسية أو عسكرية، وأن هشاشة الاتفاقات تجعلهم عرضة لدفع الثمن الأكبر.
وسوريا أمام مفترق طرق: إما أن تنجح في تثبيت وقف إطلاق النار عبر تعزيز حضور الدولة وضبط المجموعات المسلحة، أو أن تنزلق نحو تصعيد جديد قد يفتح الباب أمام تدخلات خارجية أوسع.
المراقبون يرون أن الحل يكمن في بناء تفاهمات محلية حقيقية، تستند إلى مشاركة المجتمع المحلي وضمان مصالحه، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية. غير أن هذا المسار يبدو صعبًا في ظل استمرار التدخلات الإقليمية وتعدد القوى المسلحة.
ملامح المرحلة المقبلة
سوريا ستظل في دائرة التوتر ما لم يتم معالجة جذور الأزمة في السويداء. فالهشاشة الأمنية والسياسية، إلى جانب التدخلات الخارجية، تجعل من أي اتفاق مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانهيار.
السويداء اليوم ليست مجرد محافظة سورية، بل هي مرآة تعكس هشاشة التفاهمات الإقليمية، واحتمالات التصعيد التي قد تمتد لتشمل مناطق أخرى من البلاد.









