سلطنة عُمان أرسلت وزير خارجيتها بدر بن حمد البوسعيدي إلى العاصمة الإيرانية طهران في العاشر من يناير 2026، حيث استقبله الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وأجرى مباحثات موسعة مع كبار المسؤولين الإيرانيين.
والزيارة جاءت في توقيت حساس، إذ تشهد إيران احتجاجات داخلية واسعة بسبب الأوضاع الاقتصادية، فيما يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته بتوجيه ضربات عسكرية إذا استمرت السلطات الإيرانية في قمع المتظاهرين.
وبحسب وكالة الأنباء العُمانية، نقل البوسعيدي خلال اللقاء تحيات السلطان هيثم بن طارق إلى القيادة الإيرانية، مؤكداً على عمق العلاقات الثنائية وحرص مسقط على تعزيز التعاون في مختلف المجالات.
وساطة تاريخية
سلطنة عُمان ليست جديدة على لعب دور الوسيط بين إيران وأمريكا. فقد سبق أن استضافت مسقط محادثات سرية بين الطرفين حول البرنامج النووي الإيراني، وكانت تلك المحادثات أساسًا للاتفاق النووي الموقع عام 2015. هذا الدور الوسيط منح عُمان سمعة دولية باعتبارها دولة محايدة قادرة على بناء جسور بين الخصوم، بعيدًا عن الاصطفافات الإقليمية الحادة.
الزيارة الأخيرة إلى طهران تأتي في هذا السياق، حيث يُنظر إليها كجزء من جهود عُمان لإعادة فتح قنوات التواصل بين واشنطن وطهران، خاصة في ظل التوتر المتصاعد.
رسائل أمريكية محتملة
سلطنة عُمان أثارت تساؤلات حول ما إذا كان وزير خارجيتها يحمل رسالة أمريكية إلى القيادة الإيرانية، ولم يؤكد المسؤولون الإيرانيون أو العُمانيون وجود رسالة مباشرة، لكنهم لم ينفوا الأمر أيضًا، هذا الغموض يعكس طبيعة الدور العُماني، الذي يقوم على نقل الرسائل غير المعلنة وتسهيل الحوار بعيدًا عن الأضواء.
في ظل تهديدات ترامب، تبدو عُمان في موقع مثالي لنقل رسائل التهدئة أو التحذير، بما يضمن إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى في أصعب الظروف.
دبلوماسية التوازن
سلطنة عُمان تعتمد سياسة خارجية قائمة على التوازن وعدم الانحياز. فهي تحافظ على علاقات وثيقة مع إيران، وفي الوقت ذاته ترتبط بتحالفات استراتيجية مع أمريكا ودول الخليج. هذا التوازن يمنحها القدرة على لعب دور الوسيط، حيث يثق بها الطرفان لعدم انحيازها الكامل لأي منهما.
وفقًا لمحللين سياسيين، فإن هذه السياسة تجعل من عُمان "صوت العقل" في المنطقة، خاصة في أوقات الأزمات. فهي لا تدخل في صراعات مباشرة، بل تسعى إلى تقريب وجهات النظر وتخفيف التوترات.
أهمية التوقيت
سلطنة عُمان اختارت توقيتًا بالغ الحساسية لزيارة وزير خارجيتها إلى طهران. فإيران تواجه احتجاجات داخلية وضغوطًا خارجية، فيما تلوّح أمريكا باستخدام القوة العسكرية. هذا التوقيت يعكس رغبة مسقط في منع التصعيد، عبر فتح قنوات الحوار وتقديم نفسها كوسيط قادر على نقل الرسائل بين الأطراف.
بحسب وكالة تسنيم الإيرانية، فإن الزيارة تأتي في إطار متابعة الترتيبات الخاصة بالعلاقات الثنائية، لكنها تحمل أيضًا أبعادًا إقليمية أوسع.
انعكاسات إقليمية
سلطنة عُمان بهذا الدور لا تؤثر فقط على العلاقات بين إيران وأمريكا، بل أيضًا على استقرار المنطقة ككل. فنجاحها في تقريب وجهات النظر قد يخفف من احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية، ويمنح دول الخليج هامشًا أكبر للتحرك الدبلوماسي.
في المقابل، فشل الوساطة قد يؤدي إلى تصعيد خطير، خاصة إذا قررت أمريكا تنفيذ تهديداتها ضد إيران. وهذا السيناريو سيضع المنطقة أمام تحديات أمنية واقتصادية كبيرة.
قراءة مستقبلية
سلطنة عُمان ستواصل لعب دور الوسيط الإقليمي، لأنها تدرك أن هذا الدور يمنحها وزنًا سياسيًا يتجاوز حجمها الجغرافي والاقتصادي. فهي تسعى إلى ترسيخ صورتها كدولة محايدة قادرة على بناء جسور بين الخصوم، وهو ما يعزز مكانتها الدولية.
المراقبون يرون أن نجاح الوساطة العُمانية يعتمد على مدى استعداد أمريكا وإيران للاستماع إلى رسائل التهدئة، وعلى قدرة مسقط في الحفاظ على ثقة الطرفين.
ملامح المرحلة المقبلة
سلطنة عُمان ستظل لاعبًا أساسيًا في معادلة الشرق الأوسط، بفضل سياستها القائمة على الحياد والوساطة. زيارة وزير خارجيتها إلى طهران ليست مجرد حدث ثنائي، بل هي جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى منع التصعيد وحماية استقرار المنطقة.









