يُصنف العراق عالمياً كواحد من أكثر البلدان تلوثاً بالألغام، والمخلفات الحربية، حيث تشير التقارير الدولية إلى وجود مساحات شاسعة من الأراضي "المفخخة" التي تنتظر ضحاياها، خلف هذه الأرقام، تكمن مأساة إنسانية مستمرة وفشل مؤسساتي في إغلاق ملف يمتد لعقود من الحروب المتراكمة.
مأساة مستمرة

لا يمر شهر في العراق دون تسجيل ضحايا بسبب المخلفات الحربية، وتحديداً في المناطق التي شهدت مواجهات مباشرة مع تنظيم "داعش"، أو تلك الحدودية التي لا تزال تحتفظ بمخلفات الحرب العراقية الإيرانية.
حيث تتركز الإصابات بشكل كبير بين الأطفال والرعاة والباحثين عن "الكمأ"، هؤلاء الضحايا يواجهون الموت في مناطق يُفترض أنها استعادت استقرارها الأمني.
وبالإضافة إلى الوفيات، يخلف هذا الملف آلاف الجرحى الذين يعانون من بتر الأطراف، مما يضع ضغطاً هائلاً على النظام الصحي المتهالك أصلاً، ويخلق جيلاً من المعاقين الذين يفتقرون للدعم الحكومي الكافي.
فشل ملف إزالة الألغام

رغم المساعدات الدولية والمنح التي تتدفق على العراق منذ عام 2003، إلا أن التقدم في تطهير الأراضي لا يزال بطيئاً ولا يتناسب مع حجم الخطر. ويمكن حصر أسباب هذا الفشل في نقاط رئيسية:
وتتوزع مسؤولية إزالة الألغام في العراق بين وزارات الدفاع والداخلية والبيئة “دائرة شؤون الألغام”، هذا التعدد في الجهات أدى إلى تضارب في الصلاحيات وضياع في التمويل، فضلاً عن تقارير تشير إلى فساد في عقود المعدات والشركات المنفذة.
وتعتمد أغلب عمليات الإزالة على المنظمات الدولية مثل UNMAS، ومع تحول الاهتمام الدولي نحو أزمات عالمية أخرى، تراجع التمويل المخصص للعراق، مما أدى إلى توقف العديد من المشاريع الحيوية في محافظات مثل البصرة والأنبار ونينوى.
وتساهم السيول والفيضانات في انجراف الألغام من أماكنها المعروفة إلى مناطق كانت تُعتبر آمنة، مما يجعل خرائط التطهير القديمة عديمة الفائدة ويحتاج الأمر إلى إعادة مسح شاملة ومكلفة.
ما هي الأبعاد الأمنية؟
لا يتوقف خطر الألغام عند الجانب الإنساني، بل يتعداه إلى الأمن القومي حيث استغلت الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم "داعش"، المواد المتفجرة الموجودة في الألغام القديمة والقذائف غير المنفجرة لإعادة تصنيع عبوات ناسفة محلية الصنع.
كما أن الألغام تمنع استغلال الأراضي الزراعية والموارد النفطية، مما يعطل عجلة الاقتصاد في المناطق الفقيرة، ويخلق بيئة خصبة للاستقطاب المتطرف بسبب البطالة والفقر.
هل من حل في الأفق؟
إن حل ملف الألغام في العراق لا يتطلب تكنولوجيا متطورة فحسب، بل يتطلب إرادة سياسية لتوحيد الجهود تحت مظلة وطنية واحدة بعيدة عن المحاصصة والفساد.

إن استمرار تجاهل هذا الملف يعني حكماً بالإعدام المؤجل على آلاف العراقيين، وتعطيلاً لمشاريع الإعمار والتنمية التي يحتاجها البلد بشدة ويجب على المجتمع الدولي الضغط باتجاه تحويل ملف الألغام من "قضية فنية" إلى "أولوية حقوقية"، مع إلزام الحكومة العراقية بجدول زمني محدد لإعلان مناطق العراق خالية من المخلفات الحربية.










