21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سوق العمل الغزي.. من الحصار الخانق إلى "موت سريري" بعد عامين

سوق العمل الغزي.. من الحصار الخانق إلى "موت سريري" بعد عامين

بقلم: محمد خميس
١٢ يناير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
11 مشاهدة
سوق العمل الغزي

سوق العمل الغزي

بعد أكثر من عامين على أشرس حرب إبادة جماعية شهدها العصر الحديث، لم يكتفِ الاحتلال الإسرائيلي بتدمير الحجر والشجر في قطاع غزة، بل استهدف شريان الحياة الأساسي: سوق العمل. 

ومع وصول نسبة البطالة إلى مستويات فلكية تجاوزت 85%، وتدمير المنشآت الاقتصادية الكبرى، برزت في غزة "اقتصاديات الظل" أو ما بات يُعرف بـ "مهن البقاء".

انهيار سوق العمل التقليدي

قبل السابع من أكتوبر 2023، كان اقتصاد غزة يعاني أصلاً من حصار خانق، لكنه كان يمتلك هيكلية واضحة. اليوم، تؤكد التقارير الاقتصادية أن الحرب محت أكثر من 200 ألف وظيفة بشكل كامل في القطاع الخاص وحده.

كما تم استهداف أكثر من 80% من المناطق الصناعية، مما أخرج آلاف العمال من الخدمة، ومع استهداف المقرات الحكومية، أصبح صرف الرواتب متذبذبًا وغير كافٍ لسد الاحتياجات في ظل التضخم المرعب، وفقد قطاع غزة مورداً مالياً ضخماً بعد إلغاء تصاريح العمل داخل الخط الأخضر، مما حرم آلاف العائلات من دخلها الوحيد.

ما هي "مهن البقاء"؟ ابتكار الألم

في ظل انعدام الوظائف التقليدية، اضطر سكان غزة لابتكار مهن تتماشى مع "واقع الدمار"، هذه المهن لا تهدف للربح أو التراكم الرأسمالي، بل هي مجرد وسيلة للبقاء على قيد الحياة.

مهنة جمع الحطب وتصنيع المواقد

ومع انقطاع غاز الطهي التام لشهور طويلة، تحولت مهنة جمع الحطب من الركام ومن بقايا الأشجار المقطوعة إلى مهنة أساسية، برز "صناع المواقد" الذين يعيدون تدوير الصفيح والحديد الخردة لصناعة مواقد طينية أو حديدية بدائية تعمل بالحطب، لتمكين الناس من خبز العجين وطهي القليل من الطعام المتوفر.

تعبئة المياه ونقلها يدوياً

نتيجة تدمير شبكات المياه والآبار، ظهرت مهنة "سقّاء غزة الجديد"، شباب وأطفال يقضون ساعات في طوابير طويلة لتعبئة "الجالونات" من محطات التحلية المتبقية، ثم نقلها لمسافات طويلة عبر عربات تجرها الحيوانات أو يدوياً مقابل مبالغ زهيدة جداً.

إعادة تدوير الركام واستخراج الحديد

في ظل منع إدخال مواد البناء، تحول البعض إلى مهنة شاقة وخطيرة، وهي تفتيت ركام المنازل المدمرة لاستخراج "أسياخ الحديد" وإعادة تسويتها وبيعها، أو استخدام "الحصمة" الناتجة عن تكسير الباطون لبناء جدران بدائية أو لتمهيد الطرق الوعرة التي دمرتها الجرافات.

صيانة الهواتف والبطاريات" بالطاقة الشمسية

كما أصبحت الطاقة الشمسية هي "الذهب الأصفر" في غزة، وانتشرت مهن صيانة لوحات الطاقة الشمسية، وتحويل بطاريات السيارات لتعمل كمصدر إضاءة وشحن للهواتف، كما برزت نقاط "شحن الهواتف" مقابل أجر بسيط، حيث يتجمع الناس حول لوحة شمسية واحدة لشحن أجهزتهم للبقاء على اتصال بالعالم.

ما هو تأثير الحرب على الهيكل الاجتماعي للمهن؟

الحرب لم تغير نوع العمل فقط، بل غيرت "صورة العامل"، هذا التحول له آثار نفسية واجتماعية عميقة، حيث يشعر أصحاب الكفاءات بهدر سنوات دراستهم، لكن غريزة البقاء تدفعهم للعمل في أي مجال لتجنب موت أطفالهم جوعاً.

عمالة الأطفال.. الوجه الأقبح للحرب

من أخطر إفرازات انهيار سوق العمل هو التوسع المرعب في عمالة الأطفال. مع استشهاد المعيل أو إصابته، أصبح آلاف الأطفال هم المسؤولين عن تأمين دخل الأسرة، حيث تراهم يجوبون الشوارع لبيع "السكاكر البسيطة" أو "الماء"، أو ينبشون في القمامة بحثاً عن معادن للبيع، مما يعني ضياع جيل كامل تعليمياً ومهنياً.

مستقبل سوق العمل في غزة

رغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر 2025، إلا أن سوق العمل لا يزال في حالة "موت سريري"، إن استمرار الاحتلال في منع إدخال المواد الخام، ومنع تصدير المنتجات، والقيود المشددة على حرية الحركة، يجعل من المستحيل عودة الدورة الاقتصادية لطبيعتها.

ما يحتاجه قطاع غزة الآن خطة "مارشال" لإعادة الإعمار وتركز على تشغيل الأيدي العاملة المحلية ودعم المشاريع الصغيرة: التي دُمرت بالكامل، عبر قروض حسنة ومنح إنتاجية وحماية العمال: من الاستغلال في ظل غياب الرقابة الحكومية الفاعلة.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

سوق العمل الغزي.. من الحصار الخانق إلى "موت سريري" بعد عامين - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°