قال أحمد أبو قمر، الباحث في الشأن الاقتصادي بغزة، في تصريحات خاصة لموقع “180 تحقيقات”، إن سوق العمل في القطاع تلقّى “ضربة قاصمة” خلال الحرب، انعكست في قفزة غير مسبوقة في معدلات البطالة، التي ارتفعت من نحو 45% قبل الحرب إلى قرابة 80% في الوقت الحالي، وهي من أعلى النسب المسجّلة عالميًا.
انهيار القطاعات الإنتاجية
وأوضح أبو قمر لـ" 180 تحقيقات" أن الحرب أدت إلى تغيّرات هيكلية عميقة في سوق العمل، تمثّلت في شبه انهيار القطاعات الصناعية والزراعية، التي كانت تشكّل العمود الفقري للاقتصاد المحلي، فالمصانع إما دُمّرت أو توقفت عن العمل بسبب نقص المواد الخام والطاقة، والأراضي الزراعية تضررت على نطاق واسع، أو أصبحت مناطق خطرة وغير صالحة للاستثمار.

أحمد أبو قمر
وأضاف الباحث الإقتصادي، أن هذا الانهيار دفع آلاف العمّال وأصحاب المهن إلى الخروج القسري من دائرة الإنتاج المنظّم، والدخول في دائرة اقتصاد غير رسمي قائم على تلبية الاحتياجات الأساسية اليومية، في ظل غياب أي أفق اقتصادي واضح.
صعود مهن الحرب واقتصاد البقاء
ووفق أبو قمر، شهدت غزة خلال الحرب صعودًا لافتًا لمهن فرضتها الظروف الاستثنائية، مثل أعمال التوصيل في ظل صعوبة التنقل، وإصلاح العملات الورقية المهترئة، وبيع العملات، وأعمال التحطيب وبيع الحطب، إضافة إلى أشكال مختلفة من التجارة الصغيرة المرتبطة بالمساعدات الإنسانية أو السلع النادرة.
وأشار إلى أن ما يمكن تسميته بـ”مهن البقاء” بات يشكّل أكثر من 40% من سوق المهن في غزة، وهي نسبة تعكس حجم التحول القسري الذي أصاب بنية سوق العمل، وانتقاله من اقتصاد إنتاجي ولو بحدوده الدنيا إلى اقتصاد قائم على النجاة اليومية.

أحمد أبو قمر
من قاعة الجامعة إلى بسطة الشارع
لم تتوقف التحولات عند حدود المهن البسيطة، بل طالت التركيبة الاجتماعية والوظيفية للمجتمع الغزّي، فكما يوضح أبو قمر، بات من المشهد الطبيعي اليوم أن نجد أكاديميًا جامعيًا أو موظفًا سابقًا يقف خلف بسطة صغيرة، يبيع بعض السلع التي اشتراها من أشخاص آخرين حصلوا عليها عبر المساعدات.
هذا التحول القسري لا يعكس فقط تدهور الدخل وفرص العمل، بل يكشف أيضًا حجم الانكسار الذي أصاب الطبقة الوسطى، التي كانت تشكّل عنصر التوازن الاجتماعي والاقتصادي في القطاع قبل الحرب.
اقتصاد بلا ناتج محلي
وأكد أبو قمر أن “مهن البقاء” لا تولّد ناتجًا محليًا حقيقيًا، ولا تضيف قيمة مضافة للاقتصاد الغزّي، رغم أهميتها المرحلية في توفير الحد الأدنى من الدخل لبعض الأسر، فهي في جوهرها أنشطة استهلاكية أو إعادة توزيع لما هو موجود أصلًا، وليست أنشطة إنتاجية.
ويحذّر من أن استمرار هذا النمط الاقتصادي لفترة طويلة سيؤدي إلى تعميق حالة التشوّه في بنية الاقتصاد المحلي، ويجعل عملية التعافي أكثر صعوبة وتعقيدًا في المستقبل.

أحمد أبو قمر
ورغم قتامة المشهد، يشير أبو قمر إلى أن “مهن البقاء” هي حالة طارئة ومرتبطة بشكل مباشر بظروف الحرب والحصار والإغلاق، ومع زوال هذه المسببات، وفتح المعابر، وإدخال المواد الخام، يمكن أن تبدأ عودة تدريجية للاقتصاد المنظّم والمهن المعروفة، مثل الزراعة والبناء والصناعة والخدمات.
ويختم أبو قمر بالقول إن مستقبل سوق العمل في غزة مرهون قبل كل شيء بإنهاء الحرب، ورفع القيود عن حركة الأفراد والبضائع، وبدء مسار حقيقي لإعادة بناء ما دمّرته سنوات الحصار وأشهر الإبادة، وإلا فإن “اقتصاد البقاء” سيظل هو العنوان الأبرز لحياة مليوني إنسان في القطاع.










