21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب: الناخب العراقي: شريك بالقرار لو ضحية لعبة؟

سارة جاسم تكتب: الناخب العراقي: شريك بالقرار لو ضحية لعبة؟

بقلم: سارة جاسم
١٢ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
23 مشاهدة
الناخب العراقي

الناخب العراقي

بعد عقدين من التغيير لا يزال السؤال الجوهري يتردد في الأوساط العراقية والدوائر السياسية: هل يمتلك الناخب العراقي "إرادة التغيير" فعلاً، أم أن صوته مجرد "وقود" لمحرك العملية السياسية التي تعيد إنتاج نفسها؟ في كل دورة انتخابية، يذهب المواطن وهو يحمل أحلامه بوطن مستقر، ليتفاجأ لاحقاً بأن المشهد يُرسم خلف "الكواليس المظلمة" وليس في مراكز الاقتراع.


من أبرز ملامح الإحباط لدى الشارع العراقي هي ظاهرة "إعادة التدوير". نرى وزراء فشلوا في حقائب معينة يعودون كنواب، أو نواباً يتحولون إلى مستشارين أو رؤساء هيئات.


 الأحزاب السياسية تفتقر إلى "دماء جديدة" حقيقية، وتتمسك بالقيادات التقليدية لأنها تضمن استمرار المصالح والولاءات.لذا يشعر الناخب بالخذلان عندما يرى أن صوته الذي منحه لـ"سين" من الناس بذريعة التغيير، قد ساهم في وصول "صاد" الذي يمثل نفس النهج القديم.

 

الموازنة الانفجارية وملفات الفساد 

 


تمثل الموازنة المالية في العراق "كعكة السلطة". في ظل الحكومات المتتابعة، تُطرح أرقام فلكية، ولكن الجزء الأكبر يذهب للرواتب والنفقات التشغيلية، بينما تُهمل المشاريع الاستثمارية الحقيقية التي تخلق فرص عمل.


كما أن تمرير الموازنة لا يتم إلا بعد "صفقات" معقدة تضمن لكل طرف سياسي حصته من العقود والمشاريع، مما يحول الموازنة من خطة اقتصادية إلى "صك غفران" سياسي.


لذا الفساد في العراق ليس مجرد سلوك فردي، بل هو "منظومة" متكاملة. فلا تزال المشاريع الكبرى تخضع لمنطق "العمولات". المواطن يرى المليارات تُصرف، لكنه لا يرى مستشفيات بمواصفات عالمية، ولا كهرباء مستقرة ولا مدارس حكومية وجامعات حكومية ذات جودة عالية وكفاءة توازي هذه الارقام . وأخطر ما يواجه الدولة هو "تسييس" ملفات الفساد، حيث تُستخدم الملفات كوسيلة ضغط بين الخصوم (تسقيط سياسي) بدلاً من كونها وسيلة للمحاسبة القانونية.

 

الولاءات العابرة للحدود


أحد أكبر الهواجس التي تؤرق الناخب العراقي هو "ارتهان القرار السيادي". ففي المشهد العراقي لعام 2026 لم يعد مصطلح "التدخل الخارجي" كافياً لوصف الحالة بل نحن أمام ظاهرة "الولاء العابر للحدود"، حيث تتحول بعض القوى السياسية من "لاعبين وطنيين" إلى "وكلاء إقليميين". هذا الارتهان لا يقتصر على المواقف السياسية، بل يمتد ليشمل العقيدة الأمنية، والتوجه الاقتصادي، وحتى الثقافة المجتمعية.


أثبت مخاض تشكيل الحكومة بعد انتخابات نوفمبر 2025 أن "العامل الخارجي" لا يزال هو "المايسترو" الذي يوفق بين الكتل المتنازعة. الناخب العراقي يرى أن صوته قد يُرجح كفة كتلة معينة، لكن "الفيتو" الخارجي هو من يحدد شكل الكابينة.

 


وأن أخطر تجليات الولاءات الخارجية تكمن في وجود أجنحة مسلحة ترى أن أمن "المحور" أو "الحليف الإقليمي" يتقدم على أمن الدولة العراقية. هذا يجعل قرار الحرب والسلم بيد عواصم أخرى، ويضع العراق في فوهة مدفع الصراعات الدولية .كما تظهر الولاءات في صفقات الطاقة والمنافذ الحدودية. بدلاً من البحث عن "المصلحة الوطنية المجردة"، نجد أن بعض القرارات الاقتصادية تُتخذ لإنقاذ اقتصاد دولة أخرى مما يحرم العراق من تنويع مصادره وبناء استقلال مالي حقيقي.

 

الناخب: "ضحية" أم "شريك"


لكي لا يظل الناخب ضحية، عليه أن يدرك أدواته القانونية والدستورية فالديمقراطية لا تنتهي بوضع الورقة في الصندوق، بل تبدأ من هناك عبر الضغط الشعبي ومنظمات المجتمع المدني.


كما يجب تفعيل قانون أحزاب يحاسب على مصادر التمويل والولاءات الخارجية. وزيادة الوعي القانوني لفهم الموازنة، ومراقبة العقود الحكومية، وفضح التلكؤ بأسلوب قانوني وموثق.


إن الناخب العراقي اليوم يقف على مفترق طرق. فإما أن يستسلم لكونه "رقماً" في لعبة الكبار، أو ينتفض بوعيه ليتحول إلى "شريك" يفرض إرادته. السلطة ليست هبة من أحد بل هي تفويض من الشعب، وما يُسلب بالصفقات والترضيات، يجب أن يُسترد بالرقابة والوعي والمحاسبة.


في نهاية المطاف، يتضح أن المسافة بين "صندوق الاقتراع" و"طاولة القرار" في العراق لا تزال محكومة بأسلاك شائكة من المصالح الحزبية والولاءات العابرة للحدود. إن ما يشهده الناخب العراقي اليوم في ظل الحكومة الحالية ليس مجرد "تعثر إداري"، بل هو "تكريس لنهج الخذلان" حيث تُستبدل وعود الإصلاح الكبرى بصفقات لتقاسم المغانم، وتُختزل السيادة الوطنية لتصبح مجرد ورقة مقايضة في بازارات السياسة الإقليمية.

 


إذا استمر هذا النهج في عام 2026، فإن الأضرار لن تقتصر على الجانب الاقتصادي أو تردي المعيشة، بل ستصل إلى "تآكل مشروع الدولة" من أساسه. إن تحويل الناخب إلى "ضحية" في لعبة الكبار يفتح الباب أمام سيناريوهات الفوضى أو الانغلاق السياسي الكامل.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير