20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب: 7000 صرخة خلف الأبواب الموصدة

تصدرت العاصمة بغداد واجهة المشهد المأساوي في العراق، بعد تسجيل إحصائية صادمة تشير إلى وقوع أكثر من 7000 حالة عنف أسري منذ مطلع العام الجاري وحتى الآن.

بقلم: سارة جاسم
٥ مايو ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
26 مشاهدة
العنف الأسري في العراق

العنف الأسري في العراق

تصدرت العاصمة بغداد واجهة المشهد المأساوي في العراق، بعد تسجيل إحصائية صادمة تشير إلى وقوع أكثر من 7000 حالة عنف أسري منذ مطلع العام الجاري وحتى الآن. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية عابرة تمر في شريط الأخبار، بل هو جرس إنذار يدق في قلب كل بيت وصرخة استغاثة جماعية لضحايا يعيشون في دوامة من الانتهاكات الجسدية والنفسية، مما يضع المنظومة القانونية والاجتماعية أمام تساؤل مصيري: إلى متى يظل "أمن الأسرة" رهيناً لنصوص قانونية لم تعد تواكب قسوة الواقع؟

واقع الأرقام وتحديات العاصمة

إن تصدر بغداد لهذه الإحصائيات قد يعكس وعياً نسبياً بضرورة التبليغ، لكنه في جوهره يؤشر على ضغوط اقتصادية واجتماعية هائلة تنفجر داخل المحيط الأسري. إن تحول المنزل من مساحة للأمان إلى ساحة للانتهاك يفرض علينا مراجعة الأدوات القانونية المتاحة للضحية، ومدى قدرتها على توفير الحماية الفورية قبل وقوع الكارثة.


يرتبط تصاعد أرقام العنف بشكل عضوي بطبيعة قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 وتعديلاته. فبالرغم من رصانة هذا القانون تاريخياً، إلا أن التطبيق العملي كشف عن ثغرات تجعل الضحية في موقف الضعف:


1. عقبات التفريق للضرر: يتيح القانون حق طلب التفريق في حال وجود ضرر، ولكن عبء الإثبات يقع بالكامل على عاتق الضحية. وفي ظل مجتمع يفرض "الستر" ويحاصر الضحية بالصمت، يصبح الحصول على شهود أو وثائق تثبيت الضرر النفسي أو الجسدي المتكرر معركة قضائية شاقة تدفع الكثيرات للتراجع والقبول بالأمر الواقع.


2. فخ الحضانة والنفقة: تعاني الكثير من النساء من "الابتزاز العاطفي والمادي"؛ حيث تُجبر الضحية على تحمل العنف مقابل الاحتفاظ بحضانة أطفالها أو خوفاً من فقدان المأوى والنفقة. إن تعقيدات الإجراءات القانونية وبطء حسم قضايا النفقة يجعلان من البقاء في بيئة معنِفة "خياراً إجبارياً" لتجنب التشرد.
3. غياب قانون الحماية الموازي: لا يزال العراق يفتقر إلى قانون صريح وشامل لمناهضة العنف الأسري يوفر مراكز آمنة وقرارات حماية فورية تفصل الجاني عن الضحية، وهي جوانب لا يغطيها قانون الأحوال الشخصية الذي يركز بالأساس على تنظيم عقود الزواج والطلاق والإرث.

نحو منظومة أمان شاملة

إن مواجهة هذا التغول في حالات العنف تتطلب تجاوز مرحلة "رصد الأرقام" إلى مرحلة "صناعة الحلول" ، بدءاً من آلية الإبلاغ  حكومية مؤمنة تتيح للضحايا التبليغ السري وتوثيق الضرر رقمياً، مما يسهل عملية الإثبات أمام محاكم الأحوال الشخصية ويحد من التدخلات الاجتماعية التي تضغط لتغيير الشهادات ولا يمكن تفعيل نصوص القانون دون استقلال اقتصادي للضحية. يجب ربط تشريعات الأحوال الشخصية ببرامج حماية اجتماعية تضمن مسكناً ومصدراً للدخل للضحايا، لضمان أن يكون اللجوء للقانون خياراً آمناً وليس مغامرة غير محسوبة العواقب.

كسر قيود الصمت

إن تسجيل 7000 حالة عنف هو إنذار أخير بأن "الخصوصية الأسرية" لا يجب أن تكون ذريعة لانتهاك كرامة الإنسان. إن القوانين وُجدت لخدمة الإنسان وعندما يصبح النص القانوني أو بطء الإجراءات سبباً في استمرار المعاناة، يصبح الإصلاح واجباً وطنياً وأخلاقياً لا يقبل التأجيل.
لقد حان الوقت لكسر قيود الصمت، ولتكاتف الجهود التشريعية والتنفيذية لإقرار منظومة قانونية تحمي الأسرة العراقية فعلياً، لا ورقياً فقط. فكل رقم في تلك الإحصائية هو إنسان يستحق الحياة بكرامة وأمان.

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

سارة جاسم تكتب: 7000 صرخة خلف الأبواب الموصدة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°