20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب: أقلام خلف القضبان: حصاد 2025

بحلول اليوم العالمي لحرية الصحافة (3 مايو)، يجد الصحفي العراقي نفسه محاصراً بين ترسانة قوانين موروثة وتغول سلطوي يسعى لخصخصة الحقيقة

بقلم: سارة جاسم
٣ مايو ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
29 مشاهدة
اليوم العالمي لحرية الصحافة

اليوم العالمي لحرية الصحافة

بحلول اليوم العالمي لحرية الصحافة (3 مايو)، يجد الصحفي العراقي نفسه محاصراً بين ترسانة قوانين موروثة وتغول سلطوي يسعى لخصخصة الحقيقة. عام 2025 لم يكن مجرد رقم في سجل الانتهاكات، بل كان عاماً شهد "مأسسة القمع"، حيث تكاتفت الجهود التشريعية والتنفيذية لترويض الأقلام الحرة عبر أدوات "القمع الناعم" والملاحقات القضائية الممنهجة.

قراءة في تقارير "المثلث الرقابي"

اجتمعت تقارير المنظمات المعنية بالدفاع عن الحريات لترسم خارطة الانتهاكات التي طالت الكوادر الإعلامية خلال عام 2025، مظهرةً نمطاً متصاعداً من التقييد:


 1. جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق:أشارت تقارير الجمعية استمرار تصدر العاصمة بغداد للمشهد كأكثر المدن تسجيلاً للانتهاكات، تلتها البصرة وكركوك. وثقت الجمعية مئات الحالات التي تراوحت بين احتجاز مؤقت، واعتداء جسدي أثناء التغطية، وعرقلة مهام الفرق الاستقصائية، مما يعكس تراجعاً حاداً في مؤشر الأمان الميداني.
 2. مركز مترو للدفاع عن حقوق الصحفيين:سجل المركز في إقليم كردستان تصاعداً في سياسة "منع التغطية" كإجراء استباقي لإخفاء ملفات الفساد والاحتجاجات المطلبية. ورصد المركز عشرات حالات الاعتقال التي جرت خارج إطار الأوامر القضائية الواضحة، خاصة في فترات التوتر السياسي.
 3. مركز الخليج لحقوق الإنسان: سلط المركز الضوء على ظاهرة "الترهيب القانوني"، مشيراً إلى استخدام نصوص فضفاضة في قانون العقوبات، وتوظيف لوائح "المحتوى الهابط"، كذريعة لتصفية الحسابات مع الصحفيين والمدونين الذين يتناولون ملفات تمس مراكز القوى.

لم تعد الاعتقالات مجرد توقيف عابر، بل تحولت إلى وسيلة لتعطيل العمل الصحفي تماماً عبر "الاستنزاف القانوني":
_ضريبة كشف المستور: وثقت التقارير الحقوقية ملاحقة فرق عمل استقصائية بتهم "إفشاء أسرار" أو "التجسس" عند اقترابهم من ملفات حساسة تتعلق بالاستيلاء على الأراضي العامة أو الفساد المالي، وهي تهم تهدف للترهيب قبل الإفراج عنهم بضغوط دولية ومحلية.
_ملف "بادينان" المفتوح: أشار مركز مترو إلى استمرار نهج الاعتقالات "الوقائية" والممتدة في دهوك، حيث لا يزال صحفيون وناشطون (مثل شيروان شيرواني وغيره) يواجهون تجديداً في أحكامهم بملفات تفتقر للأدلة المادية، في محاولة لإدامة تغييبهم عن الساحة.
_الملاحقة العابرة للحدود: رصد مركز الخليج لحقوق الإنسان ضغوطاً مورست على مراسلي وكالات دولية للكشف عن مصادر معلوماتهم، خاصة في التحقيقات المتعلقة بالتهريب العابر للحدود والنزاعات الإقليمية.

الصحفيات العراقيات تحت "الإرهاب الإلكتروني" 

شهد عام 2025 منعطفاً خطيراً في استهداف الصحفيات حيث لم يقتصر الأمر على العرقلة المهنية، بل امتد إلى "الاغتيال المعنوي" المنظم. تعرضت الصحفيات لحملات تشهير عبر "الجيوش الإلكترونية" تهدف إلى دفعهن للانسحاب من تغطية الملفات السياسية والأمنية الحساسة. كما رصدت المنظمات استخدام "التشهير العائلي" وسيلةً للضغط، في ظل غياب تشريعات وطنية تحمي الأمن الرقمي للصحفيات المستقلات (Freelancers) اللواتي يواجهن المخاطر دون غطاء مؤسسي.

هندسة القمع الذكي

لم تعد السلطة بحاجة لإغلاق القنوات دائماً، بل باتت تستخدم "المنع الصامت" و"الفلترة الانتقائية":
 _الحصار البيئي: سُجلت حالات منع جماعي في ذي قار والبصرة أثناء محاولة توثيق جفاف الأهوار وتداعيات التغير المناخي، تحت ذريعة "حماية الأمن القومي"، بينما كان الهدف الفعلي هو حجب واقع الانهيار البيئي عن الرأي العام.
_ الفرز الإعلامي:منعت مؤسسات حكومية مراسلي القنوات الناقدة من حضور المؤتمرات الرسمية، في تمييز صارخ يخالف الدستور العراقي ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص في الوصول للمعلومة.

هل نودع الصحافة الحرة؟

في الختام، وبقراءة متأنية لواقع لم يعد يحتمل التجميل، ندرك أن الكتابة في العراق اليوم ليست مجرد مهنة، بل هي "فعل مقاومة" يومي ضد النسيان والتدليس. الصحفية التي ترقب هذا المشهد لا ترى في الأرقام مجرد إحصائيات جافة، بل ترى فيها وجوهاً لزملاء غُيبوا خلف القضبان، وأصواتاً نُحرت في وضح النهار بقرارات إدارية.
إن معركة الصحافة في العراق اليوم ليست معركة "نقل خبر"، بل هي معركة "بقاء الوعي". فعندما تتحول "لوائح السلوك" إلى قيود، و"حماية السلم" إلى ذريعة للمنع، يصبح الصمت تواطؤاً. الحقيقة في العراق اليوم لا تُكتب بالحبر، بل تُنتزع من أنياب واقع يريد تحويل الصحفي إلى مجرد "ناقل رسمي" لبيانات السلطة. ستبقى الكلمة هي الملاذ الأخير؛ فالحقيقة وإن حُوصرت، تملك دائماً طريقتها الخاصة في التسلل عبر شقوق الجدران العالية لتعلن أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بصبر الشجعان.

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال