20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب: مطبخ المحاصصة: طبخة الوزارات

في كل دورة انتخابية ينتظر الشارع العراقي "دخان القصر" الأبيض ليعلن ولادة حكومة جديدة، لكنه عادة ما يستنشق روائح "طبخة سياسية" تُعد خلف الأبواب المغلقة

بقلم: سارة جاسم
٢٧ أبريل ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
36 مشاهدة
طبخة الوزارات

طبخة الوزارات

في كل دورة انتخابية ينتظر الشارع العراقي "دخان القصر" الأبيض ليعلن ولادة حكومة جديدة، لكنه عادة ما يستنشق روائح "طبخة سياسية" تُعد خلف الأبواب المغلقة. هناك حيث لا صوت يعلو فوق صوت "النقاط" والاستحقاقات الحزبية، يختفي مفهوم "بناء الدولة" ليحل محله مفهوم "تقاسم الكعكة".

 الوزارات الأقطاعية 

المشكلة الجوهرية في العقلية السياسية الحاكمة، ومن ضمنها الإطار التنسيقي كلاعب أساسي، هي رؤية الوزارة كـ مغنم اقتصادي ونفوذ سلطوي وليست كأداة خدمية. عندما يدور الصراع حول من يتولى وزارة "سيادية" أو "خدمية دسمة"، فإن المعيار ليس الكفاءة أو البرنامج الحكومي، بل كم ستوفر هذه الوزارة من وظائف لجمهور الحزب، وكم ستدر من عقود ومشاريع تعزز خزائن القوى السياسية.

لغة الأرقام مقابل لغة البناء

في "مطبخ الوزارات"، تُقاس الأمور بالنقاط:
* الوزارة السيادية (الدفاع، الداخلية، النفط، المالية) تساوي عدداً معيناً من المقاعد البرلمانية.
* الوزارة الخدمية لها "تسعيرة" أخرى.
هذا الحساب الرياضي البحت يجعل من رئيس الوزراء "مديراً لشركة مساهمة" بدلاً من قائد لمشروع وطني، حيث يقضي وقته في استرضاء "الشركاء-الخصوم" بدلاً من محاسبة المقصرين.
وهذا يذهب بنا الى سؤال لماذا يتأخر التشكيل دائماً؟ لأن الثقة مفقودة. كل طرف في الإطار التنسيقي (أو غيره من الكتل) يخشى أن يستحوذ الطرف الآخر على وزارة تمنحه تفوقاً في الانتخابات القادمة أو قدرة على تحريك الشارع. هذا "التعطيل الأزلي" هو نتيجة طبيعية لنظام صُمم لترضية الجميع، والقاعدة تقول: "إذا حاولت إرضاء الجميع، فلن تبني دولة."

"رجل الدولة" × "رجل الكتلة"

حين يوضع الوزير من قبل كتلته، فإنه يدين بالولاء لزعيم الحزب وليس لرئيس الحكومة أو للدستور. هذا يخلق "جزرًا معزولة" داخل الدولة، فوزارة التجارة قد لا تنسجم مع المالية، والكهرباء في وادٍ والنفط في وادٍ آخر، طالما أن كل وزير ينفذ أجندة الجهة التي "طبخت" وصوله للمنصب.
إن الانشغال بـ "الطبخة" وتوزيع الصحون على الموائد الحزبية جعل من مفهوم "الدولة" مجرد هيكل خارجي، بينما الجوهر هو تدوير للمصالح. طالما بقيت الوزارات تُمنح كـ "مكافآت" انتخابية، سيبقى تشكيل الحكومة معركة كسر إرادات، وسيبقى المواطن هو الطرف الوحيد الذي يخرج من هذه "الوليمة" جائعاً.

أمل المواطن..

وسط ضجيج "النقاط" وصراع "الاستحقاقات"، يبقى المواطن العادي هو الغائب الحاضر. هو الذي دفع ثمن الانتظار من رفاهيته، وصحته، ومستقبل أبنائه. ومع ذلك، لا يزال هذا المواطن يتمسك ببصيص من الأمل، ليس حباً في الوعود، بل لأنه لا يملك خياراً آخر سوى الإيمان بالتغيير. فماذا ينتظر المواطن من "الطبخة" القادمة؟


ينتظر دولة "خدمات" لا دولة "مناصب": فلم يعد المواطن يهتم بهوية الوزير أو كتلته، بقدر ما يهمه إن كان هذا الوزير سيوفر الكهرباء، أو يعبد الطرق، أو يحمي لقمة العيش من التضخم. الأمل يكمن في تحويل الوزارة من "مغنم حزبي" إلى "ورشة عمل"
ويأمل كسر حلقة "التعطيل" فالوقت هو أغلى عملة يمتلكها العراق. التعطيل المستمر يقتل الثقة المتبقية بين الشعب والنظام السياسي، والأمل هو في ولادة حكومة تدرك أن "هيبة الدولة" تبدأ من احترام المواعيد الدستورية. كما يحلم المواطن برؤية وجوه تكنوقراط حقيقية داخل الكابينة الوزارية، وجوه لا ترتعش يدها وهي تحارب الفساد، ولا تلتفت للخلف لأخذ الأوامر من "المقر العام" للحزب.


ربما يكون الأمل الأكبر ليس في "الطبخة" نفسها، بل في وعي الشارع. اليوم، أصبح المواطن العراقي أكثر قدرة على التمييز بين المناورة السياسية والإنجاز الحقيقي. هذا الوعي يمثل "صمام أمان" يضغط على القوى السياسية، ويجبرها (ولو ببطء) على مراجعة حساباتها.

المواطن لا يريد "مكرمات"، بل يريد حقوقاً. الأمل هو أن يأتي يوم تُشكل فيه الحكومة في غضون أيام، بناءً على برامج اقتصادية واضحة، وليس بناءً على صفقات اللحظات الأخيرة التي تُطبخ بماء المحاصصة ونار المصلحة الضيقة.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

سارة جاسم تكتب: مطبخ المحاصصة: طبخة الوزارات - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°