في وقت يُفترض فيه أن يشكّل وقف إطلاق النار نافذة أمل لالتقاط الأنفاس في قطاع غزة، تتواصل الانتهاكات الإسرائيلية بوتيرة مقلقة، عبر عمليات قتل يومية واغتيالات ممنهجة، تكشف أن إسرائيل لم تغادر فعليًا مربع الحرب، بل أعادت تعريفها بأدوات أكثر “هدوءًا” وأشد فتكًا.
وحول هذا السياق أكد الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني د. مأمون أبو عامر في حديث خاص لـ”180 تحقيقات” أن ما يجري على الأرض ليس خروقات فردية أو أحداثًا عابرة، بل سياسة ممنهجة تقوم على مسارين واضحين، القتل اليومي للمدنيين، والاغتيالات الانتقائية لعناصر من المقاومة”.

د. مأمون أبو عامر
مساران للقتل: مدنيون بلا حماية واغتيالات بلا مبرر
ويشرح أبو عامر أن المسار الأول يتمثل في القتل اليومي للفلسطينيين المدنيين، خاصة أولئك الذين يحاولون العودة إلى مناطقهم أو التسلل لجلب بعض حاجياتهم من بيوتهم المدمرة.
ويضيف أن الاحتلال يدرك تمامًا أن هؤلاء مدنيون، وفي كثير من الحالات يكون بينهم أطفال ونساء وكبار سن، ومع ذلك يتم استهدافهم بدم بارد، دون أي مبرر أمني أو أخلاقي.
ويلفت إلى أن قوات الاحتلال لم تقدّم أي دليل مصوّر يثبت أن هؤلاء الأشخاص يشكلون خطرًا أو كانوا بصدد تنفيذ عمليات، بل إن “كل ما في الأمر أنهم يسيرون في منطقة ما، فيتم قتلهم فورًا”.
أما المسار الثاني، فيتمثل في سياسة الاغتيالات الانتقائية التي تستهدف بين الحين والآخر بعض عناصر المقاومة، رغم التزامهم بوقف إطلاق النار وعدم ممارستهم أي نشاط عسكري مباشر.
ويرى أبو عامر أن هذه السياسة “مرتبطة بالوضع السياسي والأمني العام، وتوظّف حالة السيولة والفراغ الدولي الراهن”.

د. مأمون أبو عامر
استغلال الانشغال الأميركي وغياب الردع
وبحسب أبو عامر، فإن إسرائيل تستفيد إلى أقصى حد من انشغال الإدارة الأميركية بملفات داخلية ودولية أخرى، ما يمنحها هامش حركة واسعًا للتصرف بشكل شبه منفرد.
ويقول إن إسرائيل تدرك جيدًا أن واشنطن لن تفرض عليها عقوبات حقيقية، وحتى عندما تبدي الإدارة الأميركية امتعاضًا أو غضبًا شكليًا، يتم تجاوز ذلك بسرعة في ظل الظروف الراهنة”، هذا الواقع، من وجهة نظره، شجّع الاحتلال على اختراق كل القواعد والتفاهمات التي تم الاتفاق عليها ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار، دون أن يواجه ثمنًا سياسيًا أو دبلوماسيًا حقيقيًا.
رغبة إسرائيلية في العودة للحرب بصيغة مختلفة
ويرى أبو عامر أن “الواقع الحقيقي” يشير إلى أن الاحتلال يرغب في العودة إلى القتال بكل الطرق الممكنة، لكن بصيغة مختلفة، أقل كلفة عليه وأكثر فتكًا بالمدنيين.
ويضيف أن هناك رغبة لدى قيادات الجيش الإسرائيلي في تسجيل ما يسمونه إنجازات وبطولات، خاصة أنهم يدركون أن غزة اليوم شبه منزوعة السلاح ولا تمتلك إمكانيات فعلية لخوض مواجهة عسكرية واسعة”.
ويتابع، ما يجري هو محاولة لتحقيق انتصارات إعلامية وعسكرية على حساب شعب أعزل، لا يملك سوى القليل جدًا من أدوات الدفاع عن نفسه”.
تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في غزة
ويشير أبو عامر إلى هدف آخر بالغ الخطورة، يتمثل في محاولة تغيير الواقع المعيشي والجغرافي في قطاع غزة، ويوضح أن إسرائيل تسعى إلى “حشر السكان في مناطق محدودة جدًا، وتوسيع نطاق التدمير، وفرض وقائع جديدة على الأرض، تجعل من غزة مساحة شبه غير قابلة للحياة”.
ويؤكد أن هذه السياسة “تندرج ضمن مشروع أوسع لإعادة هندسة القطاع ديموغرافيًا وأمنيًا، بما يخدم الرؤية الإسرائيلية طويلة المدى”.
الكابح الأميركي: موجود لكنه مثقوب
ويعترف أبو عامر بوجود ما يسميه “كابحًا أميركيًا” يمنع إسرائيل من الانزلاق إلى حرب شاملة في هذه المرحلة، لكنه يصف هذا الكابح بأنه “جدار مليء بالثقوب”. 
د. مأمون أبو عامر
ويقول أن هذه الثقوب تسمح لإسرائيل بمواصلة اعتداءاتها اليومية، سواء ضد المدنيين أو ضد بعض عناصر المقاومة، دون أن تتجاوز الخطوط الحمراء الكبرى”.
مسؤولية الوسطاء وحدود دورهم
وطالب ابو عامر الوسطاء بزيادة جهودهم وضغوطهم على الوسيط الامريكي .
ويضيف : نحن بحاجة إلى تصعيد حقيقي للضغط، ليس فقط من هذه الدول الثلاث، بل من خلال تحرك عربي وإسلامي أوسع، يذهب مباشرة إلى واشنطن ويمارس ضغطًا سياسيًا مكثفًا على الإدارة الأميركية”.
ويرى أن غياب هذا الضغط المنظم سيجعل إسرائيل تواصل سياسة الانتهاكات دون رادع، على الأقل حتى الوصول إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.
لماذا تماطل إسرائيل في المرحلة الثانية؟
وبحسب أبو عامر، فإن إسرائيل تتعمّد المماطلة في الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، عبر طرح اشتراطات “لا وجود لها أصلًا في النص المتفق عليه”.
كما يقول إن إسرائيل تريد قلب المعادلة، فتطالب بنزع سلاح المقاومة قبل أي خطوة أخرى، بينما ينص الاتفاق بوضوح على نشر قوة حفظ استقرار وتشكيل حكومة تكنوقراط لإدارة الوضع في القطاع.
ويضيف أن هذا السلوك “نابع من شعور إسرائيلي بفائض القوة، واختلال موازين القوى، وغياب ضغط أميركي حقيقي”.
حسابات ترامب والسياسة الداخلية الأميركية
يربط أبو عامر جزءًا من هذا المشهد بـحسابات سياسية داخلية لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبرًا أن مقاربته للملف الفلسطيني – الإسرائيلي “لا تنفصل عن اعتبارات انتخابية وتحالفات داخلية”، وهو ما يفسّر، برأيه، “التساهل الكبير مع السلوك الإسرائيلي”.
يختم أبو عامر بالقول إن الوضع الحالي مرشّح للاستمرار، “سنظل ندور في المكان نفسه حتى نصل إلى المرحلة الثانية، وحتى هناك، لا أعتقد أن الأمور ستكون هادئة تمامًا، بسبب طبيعة السياسة الإسرائيلية القائمة على فرض الوقائع بالقوة”.
ويحذّر من أن غياب آلية دولية حقيقية للرقابة والتنفيذ، مثل نشر قوات حفظ استقرار وتشكيل سلطة قادرة على ضبط الوضع، سيبقي غزة رهينة لدورة جديدة من العنف، حتى في ظل وجود اتفاقات على الورق.








