تواجه الولايات المتحدة موجة غير مسبوقة من الاتهامات بارتكاب جرائم حرب وعمليات قتل خارج إطار القانون، على خلفية حملة عسكرية موسعة استهدفت قوارب يُشتبه في تورطها بتهريب المخدرات قبالة السواحل الفنزويلية وفي المياه الدولية. هذه العمليات، التي تصاعدت منذ سبتمبر 2025، لم تعد تُقرأ بوصفها إجراءات ضبط بحري تقليدية، بل باعتبارها تحولًا خطيرًا في سلوك واشنطن من إنفاذ القانون إلى استخدام القوة العسكرية القاتلة دون غطاء قانوني دولي واضح.
اللافت أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سعت منذ اللحظة الأولى إلى تأطير هذه الضربات ضمن مفهوم “نزاع مسلح” مع ما تسميه “كارتلات المخدرات” أو “ناركو-إرهابيين”، في محاولة مكشوفة لنقل الملف من القانون الجنائي الدولي وقانون حقوق الإنسان إلى قانون النزاعات المسلحة، بما يحمله من استثناءات خطيرة على الحق في الحياة.
ضربة سبتمبر المفصلية
تُعد واقعة 2 سبتمبر 2025 الأكثر إثارة للجدل، حيث استهدفت طائرة أمريكية زورقًا صغيرًا في المياه الدولية قبالة فنزويلا، ما أدى إلى مقتل 11 شخصًا كانوا على متنه. الأخطر في الواقعة، بحسب تقارير صحفية وشهادات حقوقية، أن الطائرة المستخدمة كانت معدلة لتبدو كطائرة مدنية، بلا علامات عسكرية واضحة، وهو ما سمح لها بالاقتراب دون إثارة الشكوك.
وبعد الضربة الأولى التي أدت إلى انقلاب القارب، رُصد ناجيان يتشبثان بالحطام، قبل أن تُنفذ ضربة ثانية أودت بحياتهما. هذا التفصيل تحديدًا فجّر عاصفة من الانتقادات، إذ يُعد استهداف أشخاص أصبحوا “خارج القتال” انتهاكًا صريحًا لأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني، حتى في حال افتراض وجود نزاع مسلح.
حملة قتل منهجية بزعم مكافحة المخدرات
لم تكن حادثة سبتمبر معزولة، بل جاءت ضمن حملة أوسع عُرفت باسم “رمح الجنوب”، نفذت خلالها القوات الأمريكية، حتى ديسمبر 2025، ما لا يقل عن 25 ضربة بحرية في الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، أسفرت عن أكثر من 95 قتيلًا، قبل أن ترتفع الأرقام لاحقًا إلى ما يزيد على 120 قتيلًا في أكثر من 35 هجومًا.
هذه العمليات مثّلت قطيعة واضحة مع نهج الاعتراض البحري التقليدي القائم على التفتيش والاعتقال، لتتحول إلى ضربات استباقية قاتلة، بأوامر سياسية مباشرة. ووفق تقارير قانونية، أصدر وزير الدفاع الأمريكي توجيهات صريحة بإنهاء “كل زورق مشتبه به”، ما يكشف عن سياسة قتل ممنهجة لا تتطلب تحققًا قضائيًا أو حتى تأكيدًا ميدانيًا لطبيعة التهديد.
ذريعة النزاع المسلح
ترتكز الرواية الأمريكية على الادعاء بوجود “نزاع مسلح غير دولي” مع شبكات تهريب المخدرات، وهو ادعاء يرفضه غالبية خبراء القانون الدولي. فوفقًا للمادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف، لا يُعترف بالنزاع المسلح غير الدولي إلا في حال وجود جماعات مسلحة منظمة تمارس عنفًا مستمرًا وبكثافة معينة ضد دولة أو سلطة قائمة.
كارتلات المخدرات، مهما بلغ تسليحها أو عنفها، تبقى تنظيمات إجرامية لا تحمل مشروعًا سياسيًا ولا تخوض نزاعًا مسلحًا ضد الولايات المتحدة، ما يجعل إخضاعها لقانون الحرب التفافًا قانونيًا خطيرًا. وبغياب النزاع المسلح، تخضع العمليات الأمريكية لقانون حقوق الإنسان، الذي لا يجيز استخدام القوة القاتلة إلا كملاذ أخير لحماية حياة وشيكة، وهو شرط لا ينطبق على معظم هذه الضربات.
خداع محظور قانونًا
أحد أخطر أبعاد هذه القضية يتمثل في استخدام طائرة بغطاء مدني، وهو ما يرقى إلى جريمة “الغدر” أو “الخداع الحربي المحظور”. فالمادة 37 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تحظر صراحة التظاهر بالصفة المدنية بقصد شن هجوم عسكري.
خبراء عسكريون وقانونيون أكدوا أن هذا السلوك لا يهدد الضحايا فقط، بل ينسف الثقة العالمية في حماية الطيران المدني، ويفتح الباب أمام استهداف طائرات مدنية مستقبلًا بذريعة الاشتباه. ولاحظت تقارير لاحقة أن الولايات المتحدة تخلت عن هذا الأسلوب في ضربات لاحقة، في إشارة ضمنية إلى إدراكها حجم المخالفة.
قتل خارج القتال
استهداف الناجين بعد انقلاب القارب يمثل، في نظر خبراء القانون الدولي، جريمة قتل واضحة. فالأشخاص الغارقون أو المتشبثون بالحطام يُعدّون “خارج القتال”، ويتمتعون بحماية مطلقة، ولا يجوز استهدافهم إلا إذا ثبت بشكل قاطع أنهم يشكلون خطرًا وشيكًا.
غياب أي دليل على مقاومة أو تهديد من قبل الناجين يجعل الضربة الثانية أقرب إلى الإعدام الميداني، لا إلى عمل عسكري. حتى في أكثر النزاعات المسلحة دموية، يُعد قتل الجرحى أو الغرقى من أخطر جرائم الحرب.
جرائم ضد الإنسانية
يتجاوز بعض الخبراء توصيف هذه الأفعال كجرائم حرب، ليضعوها في إطار “الجرائم ضد الإنسانية”، وفق المادة السابعة من نظام روما الأساسي. فالنمط المتكرر، وعدد الضربات، والتصريحات السياسية العلنية التي تحرّض على القتل، كلها عناصر قد تفي بمعيار “الهجوم الواسع أو المنهجي ضد سكان مدنيين”.
مقارنات قانونية أُجريت مع ملف الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي، حيث اعتُبرت عمليات القتل في “الحرب على المخدرات” جرائم ضد الإنسانية، تعزز هذا الاتجاه، وتضع إدارة ترامب أمام خطر الملاحقة القضائية الدولية، رغم رفض واشنطن الاعتراف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
تؤكد آراء الخبراء على الهشاشة القانونية للعمليات، حيث ينتقد المحاربون القدامى والباحثون تجاهل المعايير المعمول بها. وقال اللواء المتقاعد ستيفن جيه. ليبر، نائب المدعي العام السابق للقوات الجوية الأمريكية: "إذا حال تمويه الطائرة دون التعرف عليها كطائرة عسكرية، ودفع الأهداف إلى التخلي عن المناورة أو الاستسلام، فإن ذلك يُعد غدراً. إن إخفاء هوية الطائرة عن الطائرات المقاتلة يمنع مشاركتها في العمليات القتالية".
عملية غير قانونية
وأكدت نهال بهوتا، أستاذة القانون الدولي العام بجامعة إدنبرة: "إذا افترضنا أن هذا الأمر يخضع لقوانين الحرب، فإن الغدر يصبح ذا صلة. لكن العملية برمتها غير قانونية، وتُذكّر بفرق الموت. فالتنكر بزي مدني يُنشئ منحدرًا زلقًا مدمرًا، يجعل كل طائرة مدنية هدفًا محتملاً".
بدوره، قال كريج جونز، محاضر أول في الجغرافيا السياسية بجامعة نيوكاسل: "ترامب يهمش دور المحامين العسكريين، مما يخلق وضعاً مرعباً حيث يتم استبعاد ضمانات الامتثال ما لم يحصلوا على موافقة".
فيما ذكر لويس مورينو أوكامبو، المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية: "هذه الضربات جرائم ضد الإنسانية - عمليات قتل منهجية في إطار سياسة لتحييد المجرمين المزعومين، على غرار قضية دوتيرتي".
وشدد المقررون الخاصون للأمم المتحدة (المعنيون بالإعدام خارج نطاق القضاء وحقوق الإنسان) على أن الضربات الأمريكية القاتلة غير المبررة "قد ترقى إلى جرائم دولية - عمليات قتل غير قانونية دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة".
بينما أعرب محللو تشاتام هاوس عن تخوفهم من أن "هذه الهجمات تدفع الولايات المتحدة بعيداً عن الإجماع بشأن القانون الدولي، وتتعامل مع الجريمة على أنها حرب بدون مبرر".
ونقل "justsecurity" عن خبراء الأمن قولهم: "قتل الناجين ليس جريمة حرب في غياب النزاع، ولكنه غير قانوني. ولا يُعدّ الاتجار بالمخدرات مبرراً للدفاع عن النفس بموجب ميثاق الأمم المتحدة".
ردود دولية متصاعدة
قوبلت الرواية الأمريكية برفض واسع، حيث وصفت فنزويلا الضربات بأنها “إرهاب دولة”، وتقدمت بشكاوى رسمية إلى المحكمة الجنائية الدولية. دول إقليمية أبدت مخاوفها من انتهاك السيادة ومن سابقة خطيرة تسمح لأي دولة باستخدام القوة في المياه الدولية بذريعة مكافحة الجريمة.
في المقابل، تمسكت إدارة ترامب بخطاب الدفاع عن النفس ورفضت أي مساءلة دولية، في انسجام مع نهج أمريكي متكرر يقوم على الانتقائية القانونية ورفض الخضوع للمحاسبة.
وقد أدلى شخصيات عسكرية مثل إريك أوهليريش، وهو جندي سابق في قوات البحرية الخاصة، برأيه حول المخاطر التكتيكية، مشيرين إلى أن مثل هذه العمليات تقوض السلطة الأخلاقية للولايات المتحدة وتستدعي الرد الانتقامي.
لكن رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، روجر ويكر، دافع عن الضربات، مدعياً أنه "لا يوجد دليل على جرائم حرب" بعد التحقيقات.
تآكل النظام الدولي
ويحذر خبراء من أن أخطر ما في هذه القضية ليس عدد الضحايا فقط، بل ما تمثله من سابقة. فشرعنة القتل خارج القضاء في إطار “الحرب على المخدرات” تهدد بتحويل الجريمة المنظمة إلى ذريعة دائمة للحروب غير المعلنة، وتفريغ القانون الدولي من مضمونه.
كما أن تعريض الجنود الأمريكيين لخطر الملاحقة القضائية في الخارج، وتقويض التعاون الدولي في مكافحة المخدرات، قد يكون الثمن الاستراتيجي الباهظ لسياسات قصيرة النظر، تحكمها اعتبارات داخلية وخطاب شعبوي يقوده ترامب.
مساءلة مؤجلة
تكشف هذه الوقائع أن الحملة الأمريكية على قوارب المخدرات تجاوزت كل الخطوط الحمراء القانونية، من القتل خارج القضاء إلى الغدر المحظور واستهداف من خرجوا من القتال. وبينما تواصل واشنطن إنكارها، تتراكم الأدلة والتحليلات التي تضع هذه العمليات في خانة الجرائم الدولية الجسيمة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يُسمح لقوة عظمى بإعادة تعريف الحرب والقانون وفق مصالحها، أم أن النظام الدولي، رغم ضعفه، ما زال قادرًا على فرض حد أدنى من المساءلة؟ في الإجابة عن هذا السؤال يتحدد مستقبل القانون الدولي نفسه، لا مستقبل هذه القضية وحدها.




