4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. إبراهيم جلال فضلون يكتبت: لا تراجع ولا استسلام.. الصدام والحرب قادمان

عندما تهتز استقلالية الفيدرالي وترتبك الأسواق العالمية، فلم يكن الصراع بين الرئيس الأمريكي (الشعبووى) دونالد ترامب

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
١٣ يناير ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
9 مشاهدة
ترامب

ترامب

عندما تهتز استقلالية الفيدرالي وترتبك الأسواق العالمية، فلم يكن الصراع بين الرئيس الأمريكي (الشعبووى) دونالد ترامب ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول مجرد خلاف تقني حول سعر الفائدة، بل تحوّل إلى واحدة من أخطر المواجهات السياسية–الاقتصادية في تاريخ أميركا الحديثة، لما يحمله من تهديد مباشر لاستقلالية البنك المركزي الأمريكي، الركيزة الأهم في استقرار الاقتصاد العالمي.. ليكون ارتباك الأسواق المالية العالمية مربكاً بعد تصريحات جيروم باول حول تعرضه لضغوط قانونية وتهديدات بتحقيق جنائي بمثابة صدمة للأسواق، حيث انعكس ذلك فورًا في صورة تقلبات حادة في مؤشرات الأسهم والعملات. ففي الساعات الأولى، تراجعت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية، وانخفض مؤشر الدولار بشكل ملحوظ، بينما شهدت الأسواق الأوروبية والآسيوية حالة من الحذر الشديد قبل أن تستعيد بعض توازنها لاحقًا. هذا السلوك المتناقض يعكس حالة "الارتباك المدروس" لدى المستثمرين: قلق عميق من المساس باستقلال الفيدرالي، يقابله رهان على صلابة المؤسسات الأمريكية وقدرة الكونغرس على كبح أي انحراف مؤسسي.

 

أولا: تحركات الأسواق بعد الصدام:

المؤشر

الاتجاه العام

الدلالة الاقتصادية

الأسهم الأمريكية

تقلبات حادة ثم تعافٍ جزئي

قلق سياسي دون ذعر شامل

الأسهم الأوروبية

ارتفاعات محدودة

انتقال حذر لرؤوس الأموال

الدولار

تراجع ملحوظ

اهتزاز الثقة في السياسة النقدية

السندات الأمريكية

ضغوط بيعية

مخاوف من تسييس الفيدرالي

 

صعود أسعار النفط والمعادن

لم تكن أسواق السلع بعيدة عن المشهد، بل كانت من أكبر المستفيدين من حالة عدم اليقين. فقد ارتفعت أسعار النفط مدفوعة بعاملين متلازمين:

  1. تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالسياسة الخارجية الأمريكية،
  2. ضعف الدولار، ما يعزز أسعار السلع المقومة به.

في الوقت ذاته، سجّل الذهب قفزات تاريخية، متجاوزًا مستويات غير مسبوقة، ليؤكد مجددًا دوره كملاذ آمن عند اهتزاز الثقة في المؤسسات النقدية الكبرى.

مؤشرات أسواق السلع:

السلعة

الاتجاه

التفسير

النفط

صعود مستقر

مخاطر جيوسياسية وضعف الدولار

الذهب

مستويات قياسية

تحوط من عدم اليقين السياسي

الفضة

ارتفاعات قوية

طلب استثماري وصناعي

النحاس

أسعار تاريخية

مخاوف الإمدادات وتباطؤ السياسة

 

 

ثانياً: استقلالية البنك المركزي تحت التهديد

تُظهر التجربة الاقتصادية العالمية أن استقلالية البنوك المركزية ليست ترفًا مؤسسيًا، بل شرطًا أساسيًا للسيطرة على التضخم، واستقرار العملة، وحماية النمو طويل الأجل.

أي محاولة للضغط السياسي على مجلس الاحتياطي الفيدرالي تُعيد إلى الأذهان تجارب دول فقدت السيطرة على سياساتها النقدية، فانتهت بتضخم مرتفع، وانهيار ثقة المستثمرين، وهروب رؤوس الأموال.

وقد عبّر مسؤولون نقديون سابقون عن قلقهم من أن المساس باستقلال الفيدرالي يضع الولايات المتحدة في مسار غير مألوف لدولة قائدة للاقتصاد العالمي، ويهدد مكانة الدولار كعملة احتياط دولية.

مقارنة عامة لاستقلالية البنوك المركزية:

الدولة

مستوى الاستقلال

الأثر الاقتصادي

الولايات المتحدة

مرتفع تقليديًا

تضخم مستقر وثقة عالمية

أوروبا

مرتفع

استقرار نقدي نسبي

دول ذات تدخل سياسي

منخفض

تضخم مرتفع وتقلبات حادة

 

ثالثاً: انهيار اقتصادي وأزمة سياسية في واشنطن

لم يقتصر الصراع على ترامب وباول، بل امتد ليشمل أروقة الإدارة الأمريكية نفسها. فقد حذّر وزير الخزانة من أن التحقيق مع رئيس الفيدرالي أحدث فوضى حقيقية في الأسواق، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية على الاستقرار المالي.

في المقابل، عبّر أعضاء بارزون في الكونغرس عن رفضهم القاطع لأي تدخل سياسي في عمل الفيدرالي، مؤكدين أن هذه السابقة قد تفتح الباب أمام تسييس أخطر مؤسسة اقتصادية في البلاد.

هذا الانقسام يعكس أزمة أعمق في واشنطن: صراع بين منطق الدولة المؤسسية ومنطق السياسة الشعبوية قصيرة الأجل.

 

رابعاً: ما بعد المحبة عداوة: تطور العلاقة بين ترامب وباول

المفارقة اللافتة أن ترامب نفسه هو من اختار باول لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، وامتدحه علنًا بوصفه الرجل المناسب للمرحلة. غير أن هذه العلاقة بدأت في التدهور فور اصطدام استقلال الفيدرالي برغبات البيت الأبيض.

رغم قيام باول بخفض أسعار الفائدة تدريجيًا، ظل ترامب يعتبر هذه التخفيضات غير كافية، محمّلًا الفيدرالي مسؤولية التضخم وغلاء المعيشة، ومتجاهلًا العوامل الهيكلية والسياسات المالية التوسعية.

هذا التحول من الثقة إلى العداء لم يكن شخصيًا بقدر ما كان انعكاسًا لصدام أعمق بين السياسة النقدية المستقلة والطموحات السياسية.

 

خامساً: المنافسة على رئاسة الاحتياطي الفيدرالي من التالي؟

يتزامن التصعيد مع اقتراب نهاية ولاية باول، واحتدام المنافسة بين اسمين بارزين:

  • كيفن هاسيت: اقتصادي أكاديمي، معروف بتفاؤله بشأن النمو، وميوله الواضحة لسياسات نقدية توسعية داعمة للأسواق.
  • كيفن وارش: مسؤول سابق في الفيدرالي، يتبنى رؤية أكثر حدة لإعادة هيكلة المؤسسة، ويدعو إلى تغييرات جذرية في دورها وحجم تدخلها.

مقارنة مختصرة:

المرشح

التوجه النقدي

الأثر المتوقع

هاسيت

خفض الفائدة لدعم النمو

انتعاش قصير الأجل مع مخاطر تضخم

وارش

تغييرات جذرية وهيكلية

تقلبات أعلى وعدم يقين مؤسسي

اختيار أي منهما سيبعث برسالة قوية للأسواق حول مستقبل استقلال الفيدرالي.

سابعًا: ماذا عن مستقبل الفيدرالي والاقتصاد العالمي؟

إذا نجحت الضغوط السياسية في فرض رئيس فيدرالي منسجم تمامًا مع البيت الأبيض، فقد نشهد:

  • تراجعًا في مصداقية السياسة النقدية،
  • ضغوطًا تضخمية متوسطة الأجل،
  • ضعفًا مستمرًا في الدولار،
  • ارتفاعًا في أسعار السلع عالميًا.

أما إذا صمدت المؤسسات الأمريكية، وتم الحفاظ على استقلال الفيدرالي، فستكون الأزمة الحالية مجرد اختبار قاسٍ، يعزز في النهاية ثقة الأسواق في النظام المؤسسي الأمريكي.

 

سادساً: السؤال هو: هل يستطيع ترامب فعليًا الضغط على باول لخفض الفائدة؟

ترامب لا يستطيع أن "يأمر" الفيدرالي بخفض الفائدة، ولا يستطيع أن يفرضه بالقوة المؤسسية السريعة.

على مدى قصير الأجل: الاحتمال ضعيف
على مدى متوسط الأجل: الاحتمال موجود ولكن بثمن مرتفع

لماذا لا يستطيع فرض خفض الفائدة الآن؟

  1. الاحتياطي الفيدرالي لا يقرر بالفرد
    • قرار الفائدة يصدر عن اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC)، وليس عن باول وحده.
    • اللجنة تضم 12 عضوًا، وأي خفض يحتاج أغلبية، لا توقيع رئيس.
  2. الإطار القانوني يحمي باول
    • لا يمكن عزل رئيس الفيدرالي بسبب خلاف سياسي أو اختلاف في الرأي.
    • أي محاولة إقالة أو ترهيب مباشر ستواجه طعونًا قضائية فورية.
  3. السوق تراقب لا تصدق
    • المستثمرون يفرّقون بين الضجيج السياسي والقرار النقدي الفعلي.
    • لهذا رأينا اضطرابًا، لا انهيارًا.

 

سابعاً: أين تكمن خطورة ترامب الحقيقية؟

الخطورة ليست في الضغط المباشر… بل في تغيير البيئة المحيطة بالقرار.

أدوات ترامب غير المباشرة:

  1. تآكل الثقة
    • كل تصريح عدائي ضد الفيدرالي يرفع تكلفة تجاهل السوق للفوضى.
    • الفيدرالي قد يضطر للتصرف بحذر مفرط لتجنب صدمة أكبر.
  2. إعادة تشكيل القيادة
    • مع اقتراب نهاية ولاية باول، يستطيع ترامب تعيين رئيس جديد منسجم معه.
    • هنا يتحقق هدفه، لكن ليس فورًا.
  3. تحويل النقاش
    • من "ما الأفضل للاقتصاد؟"
    • إلى "كيف نحمي المؤسسة من الانهيار؟"

وهذا أخطر من خفض فائدة بربع نقطة.

 

ثامناً: هل الوعي العالمي والمؤسسي سينصف باول؟

نعم… إلى حد كبير، لكن ليس بلا تكلفة.

لماذا يميل الميزان لصالح باول؟

  1. إجماع دولي نادر
    • رؤساء بنوك مركزية سابقون، ومؤسسات مالية، وأسواق عالمية، كلها أرسلت نفس الرسالة:

المساس باستقلال الفيدرالي خط أحمر.

  1. الدولار في مرمى النار
    • أي ضعف في استقلال الفيدرالي يهدد وضع الدولار كعملة احتياط.
    • هذا وحده كافٍ لإيقاف اندفاع سياسي غير محسوب.
  2. الكونغرس كصمام أمان
    • حتى داخل الحزب الجمهوري، هناك رفض واضح لتسييس الفيدرالي.
    • المصادقة على أي رئيس جديد لن تكون سهلة.

 

تاسعًا: السيناريو الواقعي والأقرب:

  • ترامب لا ينجح في فرض خفض فائدة استثنائي الآن.
  • الفيدرالي قد:
    • يخفض الفائدة وفق بيانات اقتصادية فقط،
    • وبوتيرة أبطأ مما يريده ترامب،
    • مع تشديد لغته الدفاعية حول الاستقلال.

لكن

  • ترامب قد ينجح لاحقًا في:
    • تغيير قيادة الفيدرالي،
    • أو تليين موقفه تدريجيًا عبر الضغط المستمر،
    • وهو ما قد يُترجم إلى سياسة نقدية أكثر تساهلًا بعد انتهاء ولاية باول.

 

الخلاصة: المعركة الدائرة اليوم ليست حول سعر فائدة أو تكلفة مبنى، بل حول سؤال جوهري: هل يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة مستقلة تحمي الاقتصاد، أم يتحول إلى أداة سياسية تخدم الأجندات الانتخابية؟ والإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل الاقتصاد الأمريكي فحسب، بل ستنعكس على استقرار النظام المالي العالمي بأسره.

 

 

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

د. إبراهيم جلال فضلون يكتبت: لا تراجع ولا استسلام.. الصدام والحرب قادمان - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°