21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

في رحاب ليلة الإسراء والمعراج.. قدسية النفحات الروحية في مواجهة الاعتداءات الصهيونية على مسرى الرسول ﷺ

تُعدّ ليلة الإسراء والمعراج من أعظم المحطات المفصلية في التاريخ الإسلامي، ليس فقط لما تحمله من إعجاز رباني تجاوز قوانين الزمان والمكان، بل لما تختزنه من دلالات عقدية وسياسية وروحية ما زالت تتجدد مع تعاقب الأزمنة.

بقلم: شيماء مصطفى
١٥ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
14 مشاهدة
في رحاب ليلة الإسراء والمعراج.. قدسية النفحات الروحية في مواجهة الاعتداءات الصهيونية على مسرى الرسول ﷺ

في رحاب ليلة الإسراء والمعراج.. قدسية النفحات الروحية في مواجهة الاعتداءات الصهيونية على مسرى الرسول ﷺ

تُعدّ ليلة الإسراء والمعراج من أعظم المحطات المفصلية في التاريخ الإسلامي، ليس فقط لما تحمله من إعجاز رباني تجاوز قوانين الزمان والمكان، بل لما تختزنه من دلالات عقدية وسياسية وروحية ما زالت تتجدد مع تعاقب الأزمنة. فهي ليلة أعاد الله فيها تثبيت نبيه ﷺ، وربط فيها الأرض بالسماء، ومكة بالقدس، وربط العقيدة بالواقع، في رسالة لا تزال حاضرة بقوة حتى يومنا هذا.

وقد افتتح الله هذه المعجزة بآية جامعة تختزل أبعادها كلها، قال تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
آية تبدأ بالتنزيه، وتؤكد العبودية، وتُكرّس قدسية المكان، وتُعلن أن ما جرى لم يكن حلمًا أو رمزًا، بل حدثًا إلهيًا مقصودًا بكل تفاصيله.

الإسراء والمعراج: حين يشتد البلاء

جاءت حادثة الإسراء والمعراج بعد واحدة من أقسى الفترات في حياة النبي ﷺ، عقب عام الحزن، الذي فقد فيه السند العائلي والاجتماعي، وتعرض فيه لأشد صنوف الإيذاء، لا سيما في رحلة الطائف. وفي ذروة هذا الانكسار الإنساني، جاءت المعجزة لتؤكد أن الشدة ليست نهاية الطريق، وأن الله إذا أغلق أبواب الأرض فتح أبواب السماء.

الانتقال من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل كان اختيارًا إلهيًا دقيقًا. فالمسجد الأقصى هو أول قبلة، وثالث الحرمين، ومسرى الرسول ﷺ، وقد وصفه القرآن بالبركة، في تأكيد واضح على مكانته الدينية والتاريخية.

وفي المسجد الأقصى، صلى النبي ﷺ إمامًا بالأنبياء جميعًا، في مشهد يؤسس لحقائق كبرى: وحدة الرسالات، وختم النبوة، وانتقال القيادة الروحية إلى الأمة الإسلامية، وربط القدس ربطًا أبديًا بالإسلام، لا يقبل المساومة أو التجزئة.

المعراج: من الأرض إلى سدرة المنتهى

بعد الإسراء، بدأت رحلة المعراج، حيث عُرج بالنبي ﷺ إلى السماوات العلا، فالتقى بالأنبياء، وشاهد من آيات الله الكبرى ما لا تدركه العقول البشرية. وبلغ مقامًا لم يبلغه بشر، في دلالة على المكانة العظمى للنبي ﷺ، وعلى أن الرسالة التي يحملها ليست شأنًا أرضيًا محدودًا، بل رسالة سماوية عالمية.

الصلاة.. العهد اليومي بين السماء والأرض

في ذروة المعراج، فُرضت الصلاة، لتكون الركن الذي يربط المسلم مباشرة بربه. ولم تُفرض الصلاة على الأرض كما فُرضت سائر العبادات، بل فُرضت في السماء، لتؤكد أنها عمود الدين، ومصدر الثبات، وملاذ المؤمن في أوقات المحن.

وحين عاد النبي ﷺ وأخبر قريشًا بما جرى، انقسم الناس بين مكذب وساخر، ومصدق ثابت. وكان موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه علامة فارقة في تاريخ الإيمان، حين قال: "إن كان قال فقد صدق"، ليؤسس لمفهوم التسليم الكامل، في مقابل منطق التشكيك والمادية.

القدس ليست ذكرى.. بل أمانة

ليلة الإسراء والمعراج تؤكد أن القدس ليست مجرد موقع جغرافي أو رمز تاريخي، بل جزء أصيل من العقيدة الإسلامية. فاختيار المسجد الأقصى ليكون نقطة العبور إلى السماء يعني أن أي اعتداء عليه هو اعتداء على العقيدة ذاتها، لا على حجر أو بناء.

وفي الوقت الذي تُستحضر فيه ذكرى الإسراء والمعراج، يتعرض مسرى الرسول ﷺ اليوم لاعتداءات صهيونية متواصلة، تشمل الاقتحامات اليومية، والاعتداء على المصلين، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني، وتغيير هوية المكان، في ظل صمت دولي مريب.

هذه الاعتداءات لا يمكن فصلها عن معناها الديني؛ فهي ليست مجرد انتهاكات أمنية، بل محاولة لضرب الرمزية العقدية للمسجد الأقصى، وطمس ارتباط المسلمين به، وتحويله من مسرى نبي إلى ساحة صراع مفتوحة.

رسالة الإسراء في زمن المواجهة

تُعيد ذكرى الإسراء والمعراج اليوم طرح سؤال جوهري: كيف يُستباح المكان الذي بارك الله حوله، وسرى إليه نبيه، في ظل عجز الأمة وتخاذل العالم؟، كما أن الرسالة الأعمق لهذه الليلة أن القدس أمانة لا تسقط بالتقادم، وأن ما جرى في ليلة الإسراء لم يكن حدثًا عابرًا، بل تأسيسًا لعلاقة دائمة بين المسلمين والمسجد الأقصى، علاقة مسؤولية، ووعي، ودفاع.

فالإسراء والمعراج ليسا قصة تُروى، بل عقيدة تُحمى، والمسجد الأقصى ليس ذكرى سنوية، بل مسرى رسول، وأمانة أمة، وخط تماس مباشر مع مشروع صهيوني يستهدف الهوية قبل الأرض.

وفي زمن تتكثف فيه الاعتداءات، تبقى الآية الكريمة شاهدًا حيًا، وتبقى الرسالة واضحة: من فرّط في مسرى نبيه، فرّط في جوهر عقيدته.

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال