كشف تحقيق استقصائي نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية، اليوم الخميس، عن تحولات استراتيجية وميدانية خطيرة في قطاع غزة، مستندة إلى تحليل دقيق لصور أقمار صناعية حديثة.
التحقيق أظهر أن جيش الاحتلال الإسرائيلي لم يكتفِ بتثبيت نقاط تواجده، بل شرع في خطة توسعية شاملة غيرت معالم القطاع، رغم مضي ثلاثة أشهر على إعلان "انتهاء العمليات القتالية الكبرى".
إعادة هندسة الميدان
تظهر صور الأقمار الصناعية الملتقطة مؤخراً أن جيش الاحتلال أنشأ 13 موقعاً عسكرياً جديداً منذ سريان وقف إطلاق النار، هذه المواقع ليست مجرد نقاط مراقبة عابرة، بل هي منشآت محصنة أُقيمت فوق أنقاض مبانٍ سكنية جرى هدمها بالكامل، لا سيما في المناطق المرتفعة بمدينة جباليا شمال القطاع.
ويشير المراقبون إلى أن اختيار هذه المواقع في جباليا يعكس رغبة في السيطرة النارية الكاملة على التجمعات السكنية المحيطة، حيث تتيح المرتفعات التي أُقيمت عليها القواعد مراقبة التحركات الفلسطينية وتأمين القوات المتمركزة على طول "الخط الأصفر".
أكذوبة "الخط الأصفر" والتمدد الصامت

أحد أبرز ما كشفه التقرير هو التباين الصارخ بين "الخط الأصفر" الذي تعلن عنه إسرائيل كحدود للمنطقة العازلة، وبين الواقع الميداني.
وتوضح الصور أن جيش الاحتلال توغل في عدة مناطق لمئات الأمتار غرب هذا الخط، خاصة في حي الشجاعية، حيث رُصدت كتل خرسانية وتحصينات على بُعد 300 متر داخل العمق الذي يُفترض أنه خارج سيطرة الجيش المباشرة.
هذا التمدد يعني عملياً قضم المزيد من الأراضي الزراعية والمناطق السكنية، وتحويلها إلى "مناطق ميتة" يُمنع على الفلسطينيين الاقتراب منها، مما يعزز فرضية إنشاء "منطقة عازلة" دائمة بعمق أكبر مما تم إعلانه دولياً.
إبادة جغرافية ومسح للمربعات السكنية
لم يتوقف الدمار مع توقف القذائف؛ فالصور توثق استمرار عمليات الهدم الممنهج لم مئات المباني، خاصة في محيط المستشفى الإندونيسي شمال القطاع.
هذه العمليات تهدف حسب مراقبين إلى خلق مساحات مكشوفة تؤمن القواعد العسكرية الجديدة وتمنع أي إمكانية لعودة الحياة الطبيعية إلى تلك المناطق في المدى المنظور.
وفي المقابل، ومع استمرار الهدم في الشمال والشرق، تظهر الصور نشوء "مدن خيام" عشوائية جديدة في مناطق أخرى، حيث يواصل آلاف النازحين العيش في ظروف مأساوية، مما يعكس سياسة التهجير الداخلي وإعادة توزيع السكان قسرياً بما يخدم الخارطة العسكرية الجديدة.
أرقام صادمة
خلص تحليل صور الأقمار الصناعية إلى نتيجة مفزعة، فإسرائيل تسيطر فعلياً الآن على نحو 54% من إجمالي مساحة قطاع غزة، هذه السيطرة لا تقتصر على التواجد المادي للجنود، بل تشمل "المناطق المحرمة"، وطرق الإمداد العسكرية (مثل ممر نتساريم وممر فيلادلفيا)، والمناطق التي جرى تجريفها بالكامل لتصبح ساحات عملياتية.
هذا الرقم يعني أن أكثر من نصف القطاع بات تحت القبضة العسكرية المباشرة، مما يقلص المساحة المتاحة لعيش أكثر من مليوني فلسطيني إلى أقل من النصف، وسط كثافة سكانية هي الأعلى عالمياً، ما ينذر بانفجار إنساني واجتماعي غير مسبوق.









